فصل: باب في ثمر الشجر إذا بيع أصلها ومال العبد إذا بيعت رقبته

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكافي في فقه أهل المدينة المالكي ***


باب الاستبراء

على كل من ملك أمة بأي وجهة ملكها بشراء أو هبة أو ميراث إذا وطئها أن يستبرئها بحيضة كاملة إن كانت ممن تحيض أو بثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر إلا أن تكون صغيرة لا يحمل مثلها فلا استبراء فيها وإن كانت حاملا فحتى تضع ما في بطنها أو تسقطه تاما أو ناقصا أو مضغة أو علقة ولا يحتاج في استبراء الأمة إذا كانت ممن تحيض إلى أكثر من حيضة واحدة فإنها تبرئها فإن ارتفع حيضها لم يقربها إلى تمام تسعة أشهر ولا شيء عليه بعد ذلك والمستحاضة كذلك الا أن ترى قبل ذلك دم حيضة فيكون لها الاستبراء وقد قيل لا يطأ المستحاضة إلا بعد سنة من يوم استبرائها إلا أن تستريب نفسها بحمل فإن ارتابت لم يطأها حتى يستبرئها من تلك الريبة إلى أن تبلغ خمس سنين وذلك أقصى مدة الحمل فلا ريبة بعد هذه المدة ولا يقبلها ولا يباشرها ولا يتلذذ بشيء منها بعد شرائه لها قبل أن تحيض عنده كراهية لا تحريما‏.‏

وأما الوطء فلا يحل إلا بعد الاستبراء وإذا ظهر دمها وصح أنها حائض جاز له الاستمتاع منها بما يستمتع من الحائض وإذا غاب المشتري على الجارية ثم تقابلا فلا يطأها البائع حتى يستبرئها بحيضة وإن لم يغب عليها المشتري ولا أمكنه وطئها سقط الاستبراء عنه والاستبراء واجب فيما يشتري من النساء وما بيع على الصبيان وفي كل ملك حادث إلا ما وصفناه في الإقالة ومن ابتاع أمة طلقها زوجها قبل الدخول بها استبرأها بحيضة وقد قيل لا استبراء عليه فيها ولو كان زوجها قد دخل بها ثم طلقها وباعها سيدها لم يجز للمشتري وطؤها إلا بعد حيضتين لأنها عدتها ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه ولم يكن عليه استبراء فإن باعها قبل أن يطأها بعد ملكه لم يطأها المشتري إلا بعد حيضتين ولو وطئها ثم باعها لم يكن على مشتريها استبراء بالحيضة ومن اشترى أمه معتدة من طلاق وفاة فواجب عليه اسبتراؤها بانقضاء عدتها وإذا زنت الحرة أو غصبت على نفسها وجب عليها الاستبراء من وطئها بثلاث حيض فإن كانت ذات زوج وجب على زوجها الامتناع من وطئها حتى ينقضي استبراؤها وإن لم تكن ذات زوج لم يجز لها أن تنكح إلا بعد أن تستبرئ نفسها بثلاث حيض ولو كانت الزانية أو المغتصبة أمة اجزأه في استبرائها حيضة ذات زوج كانت أو غير زوج إلا أن تكون حاملا فلا يجوز لها أن تنكح ولا لزوجها إن كانت ذات زوج أن يطأها حتى تضع حملها وكذلك مشتريها لا يطأها حتى تحيض أو تضع حملها نجز كتاب الطلاق بحمد الله وعونه وفي كتاب البيوع في باب العهدة والمواضعة مسائل من هذا الباب

كتاب البيوع

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما‏.‏

باب الصرف

 قال الله عز وجل وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة وقال ولا تأكلوا الربا آل عمران وأجمع العلماء من السلف والخلف أن الربا الذي نزل القرآن بتحريمه هو أن يأخذ صاحب الدين لتأخير دينه بعد حلوله عوضا عينا أو عرضا وهو معنى قول العرب إما أن تقضي وما أن تربي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء الورق بالورق ربا إلا هاء وهاء والذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء وقال عليه السلام الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد فقد أربى وقال صلى الله عليه وسلم الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما وقال عليه السلام لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشغوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشغوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز والذهب والورق صنفان وجنسان مختلفان وكل واحد منهما صنف وجنس منفرد بنفسه والصنف لا يباع بصنفه إلا مثلا بمثل يدا بيد إذا كان مما يؤكل أو يشرب قوتا أو إداما أو كان ذهبا أو ورقا‏.‏

وسيأتي ذكر المأكول والمشروب قوتا أو فاكهة أو إداما وأحكام ذلك كله في باب بعد هذا مفرد من هذا الكتاب إن شاء الله والسنة المجتمع عليها أنه لا يباع شيء من الذهب عينا كان أو تبرا أو مصوغا أو نقرا أو جيدا أو رديئا بشيء من الذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد وكذلك الفضة عينها ومصوغها وتبرها والسوداء منها والبيضاء والجيدة والرديئة سواء لا يباع بعضها ببعض إلا مثلا بمثل يدا بيد من زاد أو نقص في شيء من ذلك كله أو أدخله نظرة فقد أكل الربا وإن تأخر قبض بعض ذلك بطل البيع في جميعه ويجوز بيع الذهب بالورق كيف شاء المتبايعان إذا كان يدا بيد لأنهما جنسان ولا يدخل الربا في الجنسين على ما قدمت لك إلا في النسيئة لا غير ويدخل الربا في الجنس الواحد من وجهين الزيادة والنسيئة ولا يجوز في شيء من الصرف تأخير ساعة فما فوقها ولا أن يتوارى أحدهما عن صاحبه قبل التقابض ولا تجوز فيه حوالة ولا ضمان ولا خيار ولا عدة ولا شيء من النظرة ولا يجوز إلا هاء وهاء ويتقابضان في مجلس واحد ووقت واحد ولا يجوز عند مالك الصرف على ما ليس عندك ولا على ما ليس حاضرا معك وإن حضره قبل التفريق ووجه الصرف عند مالك أن يخرج كل واحد من المتصارفين العين التي يريد بيعها من صاحبه ويتقابضان ثم يفترقان ولا تبعة بينهما فإن تأخر بعض الصرف لم يصح المقبوض منه عند مالك وبطل جميع إذا كان صفقة واحدة ومن اصطرف دراهم فنقصت درهما فاراد صاحبه أن يسلفه ذلك الدرهم ليتم به الصرف بينهما ويكون له ذلك دينا عليه يتبعه به لم يجز ولو وهب له ذلك الدرهم بعد ذلك إذا علم أنه لا يجوز لم يجز ذلك أيضا ولا بد ان يتناقض الصرف ويرجع كل واحد منهما بما نقد ومثله إن افترق المصطرفان بعد تمام أمرهما على وجهه ووجد أحدهما نقصا فيما قبضه نقصانا من حقه فإن طلب التمام انتقض صرفه بقبضه له وإن رضي بالنقصان صح صرفه‏.‏

وكذلك لو وجد فيما قبض من صاحبه رديا وأقر له صاحبه تناقض الصرف ورجع كل واحد منهما إلى نقده وإن رضي بالعيب صح الصرف بينهما هذا إذا كان الصرف جملة ولم يسم لكل دينار ثمنا فإن صرف عدة دنانير بدراهم وسمى لكل دينار ثمنا ثم وجد في الدراهم دينارا وأراد رده انتقض منه صرف دينار واحد إذا كان ذلك قدر المصروف من الدراهم فما دونه وإن كان أكثر من ذلك انتقض صرف دينارين وهكذا ما زاد على هذا أبدا على هذا الحساب حكم المردود وغيره من سائر منفقة الصرف وفرق بعض أصحاب مالك في هذه المسألة بين أن يكون الصرف في الدراهم عددا أو كيلا وبين أن يكون الرديء رصاصا أو نحاسا أو مغشوشا وبين أن يكون ناقصا وزائفا فقال ابن عبد الحكم في أصول البيوع وإذا اصطرف دنانير بدراهم كيلا فوجد فيها ناقصا أو مكسورا أو قبيح الوجه لا يجوز بين الناس فليس له أن يرده وليس ينفسخ من أجل ذلك شيء من صرفه وإن وجد فيها نحاسا أو رصاصا أو درهما مغشوشا فإنه يرد إن شاء وينتقص من الصرف دينار فقط يكون سبيله سبيل ما وصفت لك في الأولى ولأهل المدينة وغيرهم في هذه المسألة ايضا قولان أحدهما يستبدل ولا ينتقص شيء من الصرف وإليه ذهب الليث بن سعد والأوزاعي وأحمد بن حنبل والقول الآخر يبطل الصرف فيما رد خاصة ويصح فيما قبضه وقال به جماعة أيضا وإن استنفق أحدهما بعض الصرف وأصاب فيما بقي رديا وأقر له به صاحبه رد مثل ما أنفق في عيونها ووزنها وتناقضا الصرف بينهما ورجع كل واحد منهما على صاحبه بمثل نقده في عينه ووزنه ومن أنكر منهما ما رد عليه صاحبه وزعم أنه لا يعرفه حلف بالله ما أعطاه ألا جيادا في علمه وأنه لا يعرف هذا في ما أعطاه ويبرأ وأجاز مالك الدينار الناقص الرديء العين بالدينار الوازن الجيد على وجه المعروف وجعله من باب القرض والمعروف والإحسان وقال وإن كان الناقص أجود عينا لم يجز لأنه هاهنا مكايسة ومبايعة وذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية ذلك والإبابة من جوازه وحجتهم أن كل ما كان بدلا ببدل من انتقال الأملاك فليس بقرض وإن كان ما أخذ منه البدل والعوض فهو بيع من البيوع وقد نهى النبي عليه السلام عن الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم إلا مثلا بمثل وزنان بوزن وللقرض أحكام وسنن وسنفرد لذلك بابا إن شاء الله كافيا في آخر هذا الجزء ومما أجاز مالك رحمه الله وخالفه فيه سائر الفقهاء بيع الثوب معجلا بدينار إلى شهر والدينار بكذا درهم إلى شهرين لأن البيع وقع عنده بالدراهم ولم ينظر إلى قبيح كلامهما إذا صح العمل بنيهما كما لا ينظر إلى حسن كلامهما إذا قبح العمل بينهما وهذا عند غيره صرف فيه عدة ونسيئة وبيعتان في بيعة وأجاز مالك التصرف في يمن الصرف قبل القبض وذلك أن يأخذ بثمن الصرف سلعة قبل الافتراق وهذا بالذي قبله باب واحد عنده ولا يجوز بيع فضة وذهب بفضة ولا ذهب وفضة بذهب ولا يجوز أن يكون مع أحد الذهبين دراهم ولا عوض ولا طعام ولا إدام‏.‏

وكذلك الدراهم بالدراهم بهذه المنزلة سواء وإذا كان لرجل على رجل دينار سلفا أو من ثمن بيع فلا يجوز عند مالك أن يأخذ نصفه في إحداهما أكثر مما في الأخرى وكذلك الذهب وأجاز مالك عن ذلك ما كان على وجه المعروف يسيرا كدرهم ببدله زيفا بطيب على وجه الإحسان والمعروف وإذا تراطلا بالذهبين أو الفضتين فنقصت إحداهما لم يجز أن يكون مع الذهب منهما فضة ولا مع الفضة ذهب لأنه ذهب وفضة بذهب ووجه المراطلة بالذهبين أو الورقين الاعتدال في الميزان ولا مراعاة في عدد أحدهما كان أكثر أو اقل وكذلك لا مراعاة في الأفضل بين الذهبتين والورقين إذا استوى لسان الميزان بينهما ولم يكن فيهما دخل من غير جنسهما وكذلك لو كان مع الأفضل منهما ذهب رديء إذا كان الرديء مثل ذهب صاحبه التي يراطل بها أو أفضل لأنه لم يأخذ لجودة ذهبه شيئا ينتفع به هذا كله جائز لا بأس به فإن كان مع الذهب ذهب أردى أو أدنى من ذهب صاحبه لم يجز لأنه إنما فعل ذلك ليدرك بفضل جودة ذهبه استبدال ذهبه الرديء وذلك من باب القمار عند مالك وهذا كله في المراطلة بالذهبين أو الورقين أحدهما أفضل من الآخر إذا كان الجيد والرديء في الجنس لا فيما دخل من غيره فإن كان في الفضة أو في الذهب دخل من غيرهما لم تجز المراطلة فيهما بوجه من الوجوه لما يدخله من التفاضل الذي هو ربا إلا أن مالكا رحمه الله أجاز على وجه المعروف لا على وجه البيع بدل الدرهم الزايف بالجيد في القليل اليسير الذي يعرف أنه لم يقصد به فاعله إلى البيع وإنما قصد به الى الإحسان والمعروف ولا يجوز عند ابن القاسم أن يبيع منه عبده بدنانير على أن يأخذ منه عبده بدنانير مثلها أو اقل أو أكثر على أن ينقد كل واحد منهما الدنانير فإن كانت المقاصة ولم ينتقد إلا ما زاد جاز ولا بأس بالعرض والدراهم بالذهب إذا كانت الدراهم أقل من صرف دينار وكان ذلك معجلا لا يتأخر منه شيء لأن العرض مع الدراهم بالذهب يجري مجرى الصرف الذي لا عرض معه وجملة ما رواه المدنيون عن مالك في هذا الأصل أنه إذا كانت الفضة مع السلعة وكانت يسيرة من غير جيد بذهب جاز لأنه لم يقصد إلى ذلك في البيع وإن كانت كثيرة لم يجز لأنه صرف وبيع ولا يجتمع عند مالك صرف وبيع وهو قول ربيعة هما جميعا يكرهان ذلك ولا يصلح عندهما إذا كان القصد إلى ذلك وجملة مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وهو مذهب أكثر المصريين من أصحابه إنه إذا باع دينارا أو دينارين بعرض ودراهم فلا باس أن تكون الدراهم ما بينك وبين صرف دينار فإن كانت صرف دينار فلا خير فيه وإن كان الذهب دينارا واحدا بعرض ودراهم فلا تكون الدراهم عند ابن القاسم إلا قدر نصف دينار أو أدنى فإن زادت فلا خير فيه ومحل صرف دينار من الدارهم عنده إذا كان الذهب دينارا واحدا محمل ما هو أقل من صرف دينار تام من الدراهم عنده إذا بيعت مع العرض بدنانير كثيرة لأنه بعد ذلك تبعا للعرض ويرى أن البيع إنما وقع على العرض دون الدراهم فإن كثرت علم أن الصفقة وقعت على العرض وعلى الدراهم فصار صرفا وبيعا ولا يصلح أن يجتمعا والأصل ما قدمت لك ولا يجوز عندهم صرف وبيع ولا شركه وبيع ولا قراض وبيع ولا نكاح وبيع ولا مساقاة وبيع صفقة واحدة‏.‏

فأما السيف المحلى والمصحف المفضض والخاتم ذو الفص الرفيع فإنه إذا كانت الفضة تبعا للسيف أو للفص أو للمصحف وذلك عند مالك بأن يكون الثلث من قيمة ذلك كله أو ثلث جميع ثمنه فأدنى ويكون قيمة نصل السيف والمصحف والفص الثلثين فأكثر فإن كانت كذلك جاز عنده بيع ذلك ذهبا كان أو فضة بالذهب وبالفضة أو الذهب أكثر من الثلث أو ثلث جميع ثمنه فلا يجوز أن يباع إن كانت الحيلة فضلة بالذهب على حال ولا بأس أن يباع بالذهب وجازت بالفضة يدا بيد ويجوز بيعها بسائر الأشياء كلها نقدا أو نسيئة فإن كان في حلي الذهب جوهر وكان ما فيه من الذهب ثلث قيمته أو ثلث ثمنه فأدنى فلا بأس أن يباع بالذهب أو بالفضة معجلا وكذلك حلي الفضة إذا كان فيه الجوهر والخرز وكان من الفضة ثلث قيمته فأدنى فلا بأس أن يباع بالذهب أو بالفضة معجلا يدا بيد كما كان في السيف ولا بأس أن يباع ذلك كله بالعروض والطعام وغير ذلك من سائر المتاع معجلا ومؤجلا وإذا اجتمع في الحلي الذهب والفضة والجوهر كان فيه من الذهب الثلث من جميع قيمته فأدنى فلا بأس أن يباع بالذهب معجلا وإذا كان الذي فيه من الفضة الثلث فأدنى فلا بأس أن يبيعه بالفضة يدا بيد وإذا جاز بيع ما فيه الذهب بالذهب لما وصفنا فهو أحرى بالجواز وكذلك ما فيه الفضة إذا جاز بيعه بالفضة فبيعه بالذهب أجوز إذا كان يدا بيد وإن جهل مبلغ ما في الحلي من الذهب والفضة فصل وبيع الذهب بالفضة معجلا والفضة بالذهب معجلا وبيع الجوهر بالذهب والفضة معجلا ومؤجلا كسائر الأشياء أو يباع من غير أن يفصل بالعروض كلها معجلا ومؤجلا‏.‏

وروى ابن القاسم أنه إذا اجتمع في الحلي الفضة والذهب لم يبع بالفضة ولا بالذهب ولا تباع الا بغيرهما وسواء كان الذهب والورق تبعا لما هما فيه أم لا وليس السرج واللحام عند ابن القاسم وسائر أهل مصر من أصحاب مالك بمنزلة المصحف والسيف والخاتم ويروونه عن مالك وذكر أبو الفرج في اللجام والسرج أن مذهب مالك فيه كمذهبه في السيف والمصحف والخاتم‏.‏

وأما الآنية من الذهب والفضة فلا يجوز اتخاذها وتكسر وتباع بما يجوز من الصرف والمماثلة على حسب ما ذكرنا ومن أهل المدينة من يحمل ما دون الثلث فيما ذكرنا من السيف والخاتم والمصحف لغوا ويجيز في ذلك النسيئة هذا قول ربيعة ومنهم من لا يجعل ذلك لغوا حتى يكون تافها حقيرا لا خطب له ولا قصد اليه ويجيز أيضا في ذلك النسيئة إذا كان كذلك ومنهم من لا يجيز بيع شيء مما فيه فضة بفضة ولو كانت حبة واحدة وكذلك الذهب حتى ينتقض ويباع مثلا بمثل أو يباع بعرض والأصل في هذا عندهم أن كل ما كان بيع بعضه ببعض متفاضلا ربا فلا يجوز منه مجهول بمعلوم ولا مجهول بمجهول لأنه لا يؤمن فيه عدم المماثلة وأن الربا يدخل في قليل ذلك كما يدخل في كثيره ولا يجوز عند مالك بيع الذهب الجيدة العيون معها ذهب دونها بذهب هي أرفع عيونا من الذهب الدني التي مع الرفيعة لأنه يأخذ فضل عيون الجيدة بما أدخل معها من الردية فإن كانت عيون الدنية التي أدخلت مع الرفيعة هي أرفع من عيون الأخرى أو مثلها فلا بأس لأنه قد اجتمع الفضل في موضع واحد وهذا الباب عندهم من باب صاع بر ودرهم بصاعين بر وذلك أكثر من الوسط والوسط أكثر من الدني فكأنه ليس مثلا بمثل وكأنه قصد به المخاطرة والمزابنة ومن أهل المدينة وغيرها جماعة أجازوا هذا الباب لأنه ذهب بذهب او ورق بورق مثلا بمثل وزنا بوزن وهو القياس لاجماعهم أن الذهب كلها الأحمر منها والأصفر والجيد والدني جنس واحد لا يباع إلا مثلا بمثل وكذلك الفضة وإن اختلفت أغراض الناس في ذلك ومن اصطرف دراهم فعجز درهم فلا بأس أن يأخذ به ما أحب من طعام وغيره إذا تعجل ذلك قبل أن يفترقا ولا بأس لمن عليه نصف دينار أن يدفع إلى غريمة دينارا كاملا يكون نصف قضاء ويبقى الباقي عليه دينا يأخذه منه فيما أحب معجلا ومؤجلا لأنه لا يدخله صرف ولا مكروه فيه ولا يجوز لأحد أن يقبض دنانير من دراهم ولا دراهم من دنانير إذا كان ذلك قبل محل الأجل وسواء كان ذلك من بيع أو سلف وكره مالك أن يقبض من الذهب أو الورق فلوسا قبل الأجل كما كره صرف الفلوس بالعين الذهب والورق نسيئة فإذا حل الأجل فلا بأس أن يأخذ من الفضة الذهب ومن الذهب الفضة بصرف اليوم وبما شاء ثم لا يفترقان وبينهما عمل فيما تصارفا فيه ومن حل له نجم من كراء دار وأجرة عبد فلا بأس أن يأخذ من الدراهم دنانير ومن الدنانير دراهم وإن لم يحل ذلك النجم لم يجز وكل ذهب أو ورق أخرجهما الإنسان من يده وملكه سلما في شيء من الأشياء فلا يجوز أن يبيع ذلك الشيء من بائعه قبل قبضه منه بذهب إن كان سلما ورقا ولا بورق إن كان سلما ذهبا وهو عند مالك صرف متأخر وسواء حل أجل السلعة أو لم يحل وجائز أن يسترجع من الذهب ذهبا ومن الورق ورقا في مثل الصفة والعين والجودة والوزن لأنها عنده إقالة ومعروف لا بيع في ذلك ولا مكايسة ومن كان له على رجل دينار فأراد أن يقطعه عليه دراهم يأخذ منها عند كل نجم شيئا معلوما لم يجز شيء من ذلك فإن اراد أن يأخذ منه جزءا من ذلك الدينار عند كل نجم ذهبا أو ورقا بصرف ذلك اليوم الذي يقبضه به فلا بأس بذلك إذا لم تكن قبل ذلك عدة بذلك ومن كان له على رجل دنانير وعليه لذلك الرجل دراهم جاز أن يشتري أحدهما ما عليه بماله على الآخر ويتطارحان ويتفرقان عليه وذلك إذا حل الأجل فيهما ولا بأس ببيع نقر الفضة جزافا بدنانير معلومة وكذلك سبائك الذهب جزافا بدراهم معلومة وكذلك الحلي المصوغ من الذهب والذهب المكسور يجوز بيع كل واحد جزافا بالدراهم المعلوم وزنها وإن كان ذلك من فضة حليا أو مكسورا أو محشوا أو فارغا أو نقرا أو سبائك جاز كل ذلك جزافا بالدنانير المعلوم وزنها وكذلك يجوز نقر الذهب بنقر الفضة إذا كان كل ذلك يدا بيد ولا تحل النسيئة في شيء من ذلك ولا يجوز عند مالك بيع الدنانير بالدراهم جزافا ويجوز عنده عددا كما يجوز العروض لكل واحد منهما عددا ولا يجوز حلي ذهب بوزنه ذهبا على أن يعطيه أجرة صياغته وكذلك الفضة لا يجوز أن يأخذ الصائغ في شيء من ذلك أجرة عمل يده مع وزنه ويجوز بيع حلي الفضة المصوغ بالدراهم وزنا بوزن ما لم يكن فيه محشو بغيره وكذلك حلي الذهب يجوز بالدنانير وزنا بوزن يدا بيد ما لم يكن فيه محشو داخل ولا يجوز في شيء من ذلك كله نظرة ولا يجوز عند مالك صرف بعض الدنانير إلا ان يقطعه مكانه وكذلك النقرة والخلخال وشبهه حتى لا يبقى بينهما شركة إلا أن يكون من شريكه في ذلك لينفد به فيجوز وكان مالك يكره قطع الدينار والدرهم ويراه من الفساد في الأرض كما قال سعيد بن المسيب وكان يرى فيه العقوبة من السلطان وذلك عندي محمول على بدل لا يجوز فيه القطع ولا ينفق نفاق الصحيح والله أعلم وكره مالك السلم في الفلوس وكذلك كره التقاض فيها وبيع بعضها ببعض نسيئة ولم يجزها إلا يدا بيد وأجاز ذلك كله غيره من العلماء بالحجاز والعراق وجعلوها تبعا لأصلها ومن كان عليه دين من قرض أو ثمن مبيع بسكة معلومة فغير السلطان تلك السكة بغيرها لم يكن عليه غير تلك السكة التي لزمته يوم العقود ومن اقترض من صيرفي دراهم صرف دينار أو نصف دينار ثم رخصت أو غلت لم يكن عليه إلا مثل ما أخذ وفي كتاب الغصب مسائل استهلاك الحلي والحكم فيه بقيمته فضة أو ذهبا نقدا ونسيئة وجائز عند مالك بيع تراب المعادن الذهب بالفضة والفضة بالذهب يدا بيد ولا يجوز نسيئة ويجوز شراء سائر الأشياء نقدا أو إلى أجل ولا يجوز عنده شراء تراب الصياغة بحال من الأحوال‏.‏

باب بيع المأكول والمشروب بعضه ببعض

 قال الله عز وجل وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البر بالبر ربا الا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا الا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا الا هاء وهاء وفي حديث عبادة عن النبي عليه السلام البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد من ازداد أو زاد فقد أربى فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد‏.‏

وأما النسيئة فلا وفهم العلماء معنى هذا الخطاب فأدخلوا في كل باب منه ما كان في معناه على اختلافهم فيما أصلوه من ذلك على قدر ما ذكرناه عنهم في كتاب التمهيد وجملة مذهب مالك وأصحابه في كل مأكول ومشروب من جميع الأشياء أنها تنقسم عندهم على ثلاثة أقسام هي ثلاثة أنواع كل قسم منها نوع فالنوع الأول ما الأغلب منه في كل موضع يكون فيه الادخار والاقتيات كالحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والقطاني كلها والتمر والزبيب وسائر ما يدخر فيبقى ويتخذ قوتا في الأغلب وعند الحاجة إليه ويتلذذ بأكله وينقسم هذا النوع قسمين أحدهما لا يؤكل رطبا إلا اليسير منه الذي لا حكم له كفريك الحنطة وأخضر الفول وما أشبه ذلك ومنه ما يؤكل رطبا ويابسا ويبقى كثيرا ويصير قوتا عند الحاجة إليه كالزبيب والتمر والتين فإنها قد تكون في بعض البلدان قوتا لأهلها ولمن تحمل إليه وقد ذكر التين في هذا النوع جماعة البغداديين المالكيين وبين الأندلسيين منهم وما أصله جميعهم نصرة لجماعتهم عنه في هذا الباب يقضي بصحة هذا القول والله أعلم فهذا كله حكم البر والشعير والتمر من أنه لا يجوز فيه التفاضل في الجنس الواحد ولا يجوز منه الرطب باليابس‏.‏

وإذا اختلف الجنسان من هذا النوع جاز فيهما التفاضل وجاز بيع الرطب منهما باليابس من الآخر ولم يجز في شيء من ذلك التاخير والنظرة ولا أن يفارقه حتى يقبض منه كالصرف وهذا النوع يدخله الربا في الجنس الواحد من وجهين وهما التفاضل والنسيئة وإذا كانا جنسين لم يدخلهما الربا إلا في النسيئة خاصة دون التفاضل وسأبين الأجناس والأصناف بعد هذا إن شاء الله وذهب مالك وأهل المدينة وأكبر العلماء إلى أن العلم في الطعام إذا بيع بعضه ببعض كالعمل في الذهب والورق سواء يدا بيد ومن هذا النوع الآدام كله مثل الزيت والرب والخل والعسل والمربى وما أشبه ذلك وأصل ذلك الملح لأنه أدام لا قوت وقد نص عليه في حديث عبادة والنوع الثاني الأغلب عليه الفساد إذا يبس ولا حكم ليابسه لأن الذي يبس منه يبقى قدر يسير وقليل من كثير مثل الربا المقدد وعيون البقر والخوخ المزبب والموز والرمان ونحو ذلك وأكثر ما يؤكل هذا كله رطبا فيعد عدا دون الأول ولا يدخر منه إلا الأقل الحقير وإنما يوكل تفكها وشهوة فهذا يوافق النوع الأول ويجامعه في دخول الربا منه في النظرة دون التفاضل ويخالفه في أنه يجوز بيع بعضه ببعض من جنس واحد متفاضلا يدا بيد فلا يدخل الربا في هذا النوع في الجنس الواحد وفي الجنسين إلا من وجه واحد وهو النسيئة فقط فإن دخل شيء منه النسيئه حرم ودخله الربا لنهي النبي عليه السلام عن الطعام بالطعام إلا يدا بيد والنوع الثالث ما يؤكل ويشرب على تكره وعلى غير شهوة ولا تلذذ في الأغلب وإنما يؤكل ويشرب على وجه العلاج عند العلل العارضة من الأدوية كلها فهذا النوع وإن كان مأكولا فإنه يجري مجرى العروض ومجرى ما لا يؤكل ولا يشرب في جميع أحكامه لمخالفته المعنى الأغلب في المآكل والمشارب فيجوز عند مالك بيع بعضه ببعض مثلا بمثل ومتفاضلا يدا بيد وإذا دخله الأجل جاز ذلك في الجنس الواحد على المماثلة وجازت النسيئة والتفاضل منه في الجنسين المختلفين كسائر العروض ألا ترى أنه لا يجوز عند مالك بيع الثوب عاجلا بثوبين من جنسه إلى أجل وبثوب مثله إلى أجل وزيادة وذلك ربا عند الجميع ممنوع‏.‏

ومن المأكول ما لا يجوز منه الشيء بمثله من جنسه وذلك إذا كان أحدهما رطبا والآخر يابسا لأنهما وإن كانا جنسا واحدا فالمماثلة معدومة بينهما في الحال وبعدها إذا كانت حال أحدهما منتقلة غير مستقرة وبانتقالها تعدم المماثلة ويقع التفاضل المنهي عنه لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الرطب بالتمر لأنه ينقص إذا يبس أما الأجناس عند مالك رحمه الله وهي التي يسميها أصحابه الأصناف فإن البر والشعير والسلت عنده صنف واحد لأن الغرض فيها في الاقتيات والادخار متقارب وسائر العلماء يجعلونها ثلاثة أصناف والدخن صنف والأرز صنف والذرة صنف والعلس وهي الاشقالية وقد جعلها بعض أصحاب مالك صنفا من البر وليس عندي بشيء والبر كله صنف واحد بإجماع وإن اختلفت ألوانه وبعض صفاته وخاص أسمائه كالريوز والثمرة والسمراء والحمولة وما أشبه ذلك وكذلك الشعير كله صنف واحد والتمر كله على اختلاف ألوانه وأسمائه الخاصة صنف واحد وكذلك الزبيب كله أحمره وأسوده صنف واحد والقطاني كلها اصناف مختلفة فالفول غير الحمص وكذلك الترمس غير العدس واللوبيا وقد روي عن مالك أن الحمص وكذلك الترمس غير العدس واللوبيا وقد روي عن مالك أن الحمص واللوبيا صنف واحد والجلبان والبسيلة صنف واحد والصحيح أن الحمص صنف واللوبيا صنف وكل ما اختلفت أسماؤه وألوانه اختلافا بينا فهي أصناف مختلفة إلا ما ذكرت لك عن مالك وأصحابه في البر والشعير والسلت فما كان صنفا واحدا من المأكول والمشروب كله المقتات المدخر لم يجز إلا مثلا بمثل يدا بيد ومن أصناف النوع الثاني وأجناسه التفاح والرمان صنف وكل الأجاص صنف وهي عيون البقر والكمثري وهي عندنا الأجاص وكذلك الفواكه كلها أصناف مختلفة باختلاف أسمائها وطعومها وألوانها ولا بأس بالجنس منها بعضه ببعض متفاضلا بعضه خوخه بخوختين ورمانة برمانتين وتفاحة بتفاحتين يدا بيد‏.‏

وإذا جاز التفاضل في الجنس الواحد فأحرى أن يجوز في الجنسين وذلك كله يدا بيد ولا باس ببيع الفواكه كلها رطبا ويابسا متفاضلة ومتماثلة جنسا واحدا كانت أو جنسين يدا بيد ولا يجوز فيها النسيئة بحال واختلف أصحاب مالك من هذا النوع في البيض وهو عندي على أصله في هذا الباب لأنه لا يدخر ولا ربا في أصله وكذلك اختلفوا في التين اليابس فأخرجه بعضهم من أصل هذا النوع ولم يجز فيه التفاضل بعضه ببعض أخضر ولا يابسا على أصله الذي ذكرت لك فيما يقتات ويدخر ويؤكل أخضر ويابسا ومتى احتيج إليه كان قوتا وبعضهم جعله من نوع الفواكه التي لا تدخر ولم ير فيه زكاة لذكر مالك له في موطئه مع الرمان والفستق عندي من النوع الأول قياسا على التمر والزبيب والله أعلم‏.‏

وأما الخبز عند مالك فصنف واحد كله لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل يدا بيد وإن اختلفت أصوله ومن أهل المدينة من يجعل كل صنف منها تبعا لأصله والخل كله صنف واحد عند مالك خل العنب وخل التمر وخل العسل لا يجوز بيع بعض ذلك ببعض عنده إلا يدا بيد مثلا بمثل والخلاف في الخل كالخلاف في الخبز سواء والزيوت أجناس مختلفة فزيت الزيتون كله صنف واحد وزيت الفجل صنف واحد وزيت الكتان صنف واحد وزيت الجلجلان صنف ولا بأس ببيع بعض هذه الأصناف من الزيوت ببعض متفاضلا يدا بيد والجنس الواحد منها لا يباع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل يدا بيد والزيتون كله صنف واحد في حبه والجلجلان صنف واحد أيضا والألبان كلها عند مالك وأصحابه صنف واحد لبن ذات الأربع مما يؤكل لحمه حليبها ورائبها ومخيضها لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا مثلا بمثل يدا بيد ولحوم الأنعام كلها صنف واحد وحشيها وأنيسها الإبل والبقر والغنم والكباش وحمر الوحش وكل ما يجوز أكله من ذوات الأربع لحمها كلها صنف واحد ولا يجوز لحم شيء منها بشيء إلا مثلا بمثل يدا بيد ولا يجوز ذاك بمذبوحه وإن حسر عن لحمه للنهي عن بيع الحيوان باللحم وأجاز مالك بيع اللحم بعضه ببعض على التحري وذلك فيما قل من اللحم وأحاط به العلم دون ما كثر مما لا يحاط به ولحوم الطير كلها صنف واحد وكل ذي ريش من طير البر وطير الماء وسباع الطير وغيرها من أنواع الطيور كلها صنف واحد عند مالك ولا يجوز لحم بعض ذلك الصنف ببعض إلا مثلا بمثل أو على التحري كما ذكرنا‏.‏

ولا يجوز حي بعض ذلك بمذبوحه ولحم الحيتان صنف واحد سمكا كانت أو غير سمك من دواب البحر والجراد كلها صنف واحد رابع ولا يجوز بيع الحيوان المأكول لحمه بلحم من جنسه ولا بأس ببيعه بلحم من غير جنسه فيجوز بيع لحم ذوات الأربع المأكولة لحمها بالطير كله وبالحيتان وكذلك سائر الأجناس الأربعة لحم كل جنس منها بحيوان حي ولا لحم شيء من الأنعام والوحوش المأكولة بحي منها ولا جراد حي بجراد مشوي قد عولج موته على ما وصفت لك في الأطعمة ولا بأس ببيع الحيوان الذي لا يجوز أكله باللحم كله كيف شئت وما لا يستحي من الطير ولا يقتنى وإنما يراد للذبج خاصة فحكمه حكم اللحم إذا بيع باللحم أو بالحيوان وحكم بيع الحيوان باللحم من جنسه خاصة عند مالك في معنى المزابنة ويجوز عند مالك بيع اللحم الطري بالمطبوخ متماثلا أو متفاضلا وكذلك الخبز بالدقيق والعجين بالخبز والحنطة المقلية بالنية متفاضلا ومتماثلا كل ذلك وليس عنده في ذلك مزابنة لأن الصنعة أخرجته عنده من الجنس وغيره يخالفه في ذلك ولا يجوز عند مالك بيع الحنطة بالدقيق متفاضلا ويختلف عنه في بيعها متماثلا فأجازه مرة ومنع منه أخرى وجائز عنده بيع الرطب بالرطب متماثلا وقال عبد الملك بن عبد العزيز لا يجوز بحال من الأحوال‏.‏

باب بيع المزابنة

 لا تجوز المزابنة لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيوع فهو مرتب على قول الله عز وجل ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء فما نهى عنه الرسول عليه السلام لم يحل وإن تراضى به المتبايعان وتقرير ذلك إلا أن تكون تجارة لم يأت النهي عنها في كتاب الله ولا على لسان رسوله من الربا وغيره عن تراض والمزابنة معناها بيع كل معلوم بمجهول من جنسه من المأكول والمشروب كله وكذلك كل رطب بيابس وتفسير ذلك أنه

ج2

لا يجوز بيع الرطب بالتمر على حال متماثلا ولا متفاضلا ولا بيع البر بالتمر ولا بالرطب على حال ولا بيع الزرع بالحنطة على حال ولا يجوز بيع الزبيب بالعنب على حال ولا يجوز بيع اليابس من التين بالرطب منه على حال ولا بيع الفريك بالبر على حال ولا الحنطة المبلولة باليابسة ولا المبلولة بعضها ببعض إلا أن يكون البلل واحدا في حنطة واحدة ولا يجوز بيع الدقيق بالعجين بحال من الأحوال وكذلك كل ما كان مثل ذلك كله وأجاز ابن القاسم فيما روى أبو زيد عنه من هذا الباب التفاح الأخضر بالمقدد والقرظ الأخضر باليابس لأن أصله فيما يجوز التفاضل في بعضه ببعض‏.‏

وروى غيره عنه كراهية ذلك ومن اشترى رطبا بتمر أو زرعا بحنطة فسخ ذلك البيع إن أدرك وإن فات بيد المشتري بعد القبض رجع صاحبه بمكيلة تمره على صاحب الرطب ورجع صاحب الرطب على صاحب التمر بقيمة رطبه وكذلك يرجع صاحب الحنطة بمكيلة حبه على صاحب الزرع ويرجع صاحب الزرع بقيمته وكذلك حكم كل رطب بيابس فإذا اختلفت الأجناس جاز بيع الرطب باليابس يدا بيد وكل ما يجوز التفاضل فيه جاز رطبه بيابسه ومن الزابنة أيضا بيع السمن بالزبد واللبن الذي يخرج منه الزبد بزبد والعصير الحلو بعنب والزيت بالزيتون والسمسم بالسيرج وما كان مثل هذا كله لا يجوز بيع شيء من ذلك بشيء منه على حال ويجوز لبن الإبل بالزبد يدا بيد لأنه لا زبد فيه ولا يجوز بيع اللبن من غير الإبل بالسمن ولا بالجبن وإذا اختلفت الأجناس لم تكن مزابنة في شيء من ذلك فلا باس ببيع زيت الجلجلان بالزيتون كيف شاء المتبايعان يدا بيد وكذلك زيت الزيتون بالجلجلان والزيتون بالسيرج وما كان مثل هذا كله فله حكمه ومن المزابنة بيع صبرة تمر بتمر في رؤوس النخل وصبرة زبيب بعنب في كرمه أو صبرة طعام بزرع قد استحصد وهو قائم والمكيل في هذا كله مثل الصبر وكذلك ما كان من اجناس المأكولات بشيء من جنسه معلوما بمجهول أو مجهولا بمعلوم أو مكيلا بغير مكيل أو موزونا بغير موزون وما لا يجوز إلا مثلا بمثل فلا يجوز منه جزاف ولا كيل بجزاف ولا مالا يجهل مبلغه ومقداره بمجهول ومقداره بمجهول مثله أو معلوم من جنسه ولا يجوز إلا مثلا بمثل كيلا بكيل أو وزنا بوزن يدا بيد إلا ما خرج بالسنة في هذا الباب من العرايا ومن المزابنة عند مالك بيع المعلوم بالمجهول إذا لم يعلم أن أحدهما أكثر من الآخر وإن لم يدخل في ذلك الربا دخلته المخاطرة والقمار وسيأتي هذا في بيع الجزاف إن شاء الله‏.‏

باب العرايا

 والعرايا مستثناة من المزابنة بالسنة وهي جائزة في جميع الثمار ومعنى العرية أن يهب الرجل رجلا ثمرة نخلة أو نخلات أو ثمرة شجرة أو شجرات من التين والزيتون أو حديقة من العنب فيقبضها المعطي ثم يريد المعطي شراء تلك الثمرة منه لأن له أصلها فجائز له شراؤها ذلك العام بخرصها تمرا إلى الجذاذ إذا كان الخرص خمسة أوسق فدون وأحب إلينا أن يكون خرص العرية دون خمسة أوسق فإن وقع في خمسة أوسق مضى ولم يفسخ ومن أصحابنا من يفسخه في الخمسة أوسق ولم يفسخه في دون خمسة أوسق لأنه اليقين في ذلك لشك داود ناقل الحديث في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق واصل ذلك مزابنة منهي عنها فلا يستباح منها إلا ما استوفيت الرخصة فيه وجائز أن يعري الرجل ما شاء من ثمر النخل والشجر ولا يجوز بيع العرية حتى يبدو صلاحها فإذا بدا صلاحها جاز بيعها بالدنانير والدراهم والعروض كلها من كل أحد ويكون للمعري وحده شراؤها بعد بدو صلاحها بخرصها إلى الجذاذ إن كانت رطبا أو بخرصها زبيبا إن كانت عنبا وكره مالك أن يعري الرجل حائطه كله ثم يشتريه بخرصه كان خمسة أوسق أو دون خمسة اوسق لأنه لم ينقطع عنه لذلك ضرر‏.‏

وأمر العرية عندنا رخصة مخصوصة بوجهين أحدهما أنها موقوفة على المعري بما يدخل من الضرر بدخول غيره عليه حائطه من أجلها والآخر انها موقوفة على المقدار في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق فمتى تجاوزت هذين الوجهين صارت مزابنة وصار صاحب الأصل وغيره في شرائها سواء ولا يحل لغير المعري أن يبتاع العرية بثمر معجل ولا مؤجل لأنه يدخله المزابنة وبيع الرطب بالتمر ولا يجوز عند مالك للمعري أن يشتري العرية بتمر معجل لا من صنفها ولا من غير صنفها وإنما يشتريها بخرصها تمرا إلى الجذاذ ولا يتعدى بالرخصة موضعها وإذا كانت العرية أكثر من خمسة أوسق وأراد المعري شراءها كلها لم يجز له أن يشتريها إلا بذهب أو ورق أو عرض كالأجنبي سواء وجاز أن يبيع عريته من غير صاحبه الذي أعراه إذا كان لمشتريها في أصلها ملك أو يكون اشترى تمر الحائط من رب الأصل فإذا كان ذلك فهو كالمعري سواء يجوز له من شرائها ما كان يجوز للمعري ولا يجوز بيع العرية بخلاف صنفها لا معجلا ولا إلى الجذاذ وسقي العرية وعلاجها على صاحب أصلها واختلف في زكاة العرية وتحصيل مذهب مالك في ذلك إن ما وهب أو عري من الثمار كلها قبل بدو صلاحها فزكاته على المعري أو الموهوب له وما كان بعد بدو صلاحها فزكاته على المعري أو الواهب وبين أصحاب مالك اختلاف كثير في ذلك‏.‏

باب المحاقلة والمخابرة

 لا تجوز المحاقلة والمخابرة لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأما المحاقلة فلها وجهان أحدهما في معنى المزابنة وذلك شراء الزرع الذي استحصد بمكيلة حب من جنسه والوجه الثاني كراء الأرض مما يخرج منها مما يكون فيه للآدميين صنع من المأكول والمشروب طعاما أو اداما هذا معنى المحاقلة في الشهور من مذهب مالك وهو قول ابن القاسم وقد ذكرنا اختلاف أصحاب مالك وسائر العلماء في ذلك وفي كراء الأرض مستوفي في كتاب داوود من كتاب التمهيد‏.‏

وأما المخابرة فهي عند مالك وأصحابه كراء الأرض وقد أوضحنا ذلك في كتاب التمهيد‏.‏

باب بيع العروض مما لا يؤكل ولا يشرب بعضها ببعض

 لا بأس ببيع العروض غير المأكولة ولا المشروبة كلها بعضها ببعض كيف شاء المتبايعان إذا كان يدا بيد من الرقيق وسائر الحيوان المنتفع به والثياب والكتان والصوف والحرير والنحاس والقطن والصفر والجواهر والجلود والرصاص والحديد والعقار كله وسائر الأشياء كلها التي لا تؤكل ولا تشرب اختلفت أصنافها أو اتفقت وسواء كانت مما يكال أو مما يوزن أو مما يعد وأي صنف كانت لا بأس ببيع الجنس منه بجنسه متفاضلا وكيف شئت إذا كان يدأ بيد ولا بأس بالعرض المعجل بالعرض إلى أجل من جنسه أو من غير جنسه إذا اختلفا وبان اختلافهما أثنين بواحد وكيف شئت وزنا كان أو كيلا أو عددا إذا اختلفت الأغراض فيها واختلفت منافعها ولا يضر افتراق أجناسها والاختلاف في الدواب الفراهة والسرعة والنجابة لا اتفاق الأجناس وفي العبيد الصناعة والمنفعة والفصاحة لا الجنس فإن بيع عرض بمثله من جنسه إلى أجل وزيادة شيء من الأشياء فهو عند مالك وأصحابه ربا لأنه عندهم من جهة الزيادة في السلف على ما قدمنا في صدر هذا الكتاب‏.‏

ولما أجمعوا على أن من أقرض قرضا ثوبا أو غيره رجلا وشرط عليه أن يرده إليه بعد مدة ثوبين من جنسه أو ثوبا مثله في صفته وزياده شيء من الأشياء كان ذلك ربا باجماع وكان ذلك عند مالك كمن أعطى ثوبا بثوبين من جنسه وصفته إلى أجل على جهة ثوب لأن الزيادة ثمن الأجل ولم يلتفت إلى لفظ البيع ذكره ابن عبد الحكم وغيره عنه ولا خير في ثوب نقدا بثوب مثله إلى أجل إذا كان على وجه البيع ومثل هذا الباب أنه لا يجوز ثوب شطري بثوبين من الشطري إلى أجل ولا بأس بالثوب الشطري نقدا بثوبين من المروي إلى أجل وجملته أنه يجوز تسليم غليط الكتان في رقيقه ورقيقه في غليظه أثنين في واحد وواحد في أثنين وكذلك ثياب القطن والصوف يسلم رقيقها في غليظها وغليطها في رقيقها ولا ينظر إلى اتفاق اسمائها إذا اختلفت المنافع وأغراض الناس فيها وكذلك العبد الكاتب والصانع الفصيح يسلم في العدد من العبيد العجم لأن الغرض مختلف ولا يجوز عند مالك وأصحابه بيع شيء يخرج منه إلى أجل إذا كان المعجل هو الأصل الذي يخرج منه ما سلم فيه مثال ذلك الصوف يسلم في ثوب الصوف والكتان وكذلك الخز والحرير وكذلك القصيل والشعير لا يجوز شيء من ذلك كله إلا أن يكون أجلا قريبا لا يمكن أن يعمل في مثله ثوب الكتان من ذلك الكتان ولا يمكن أن يكون فيه ذلك الشعير قصيلا لأنه حينئذ يد بيد وجائز أن يسلم فيما قد خرج من الاصل فعلى هذا لا بأس بالقصيل بالشعير نقدا وإلى أجل إذا كان القصيل نقدا والشعير مؤجلا وكذلك الثوب إذا كان نقدا والكتان والصوف أو الحرير إلى أجل‏.‏

وإن اختلفت الأجناس لم يكن بذلك بأس مثال ذلك أنه جائز أن يسلف صوف في ثوب كتان وكتان في ثوب صوف ولا يبالي أيهما كان المعجل أو المؤجل وكذلك كل ما أشبه ذلك قف على هذه الجملة فإنه اصل مالك الذي بنى عليه مذهبه في موطئه وأتبعه أصحابه رحمهم الله ومن جعل الشاة اللبون باللبن من هذا الباب أجاز تعجيل اللبن في الشاة اللبون إلى أجل وقد روي عن مالك أيضا ووري عنه أنه من باب المزابنة فعلى هذا لا تجوز الشاة اللبون باللبن ايهما عجل وآخر صاحبه وهو الاشهر في المذهب والقياس عندي جوازه والله أعلم ومن أهل المدينة جماعة منهم سعيد بن المسيب وابن شهاب كانوا يذهبون إلى أنه لا ربا في شيء من الحيوان ولا في غير المأكول والمشروب من العروض كلها على أي وجه بيع ذلك نسيئة أو يدا بيد اختلف ذلك أو لم يختلف وكانوا يجيزون ثوبا بثوبين إلى أجل وإن كان الثوب مثل الثوبين في صفته وجنسه قال سعيد بن المسيب لا بأس بقبطية بقبطيتين إلى أجل وذكر مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب أنه قال لا ربا إلا في الورق أو الذهب أو ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب‏.‏

وكانوا يجيزون جملا بجملين إلى أجل وما كان مثل هذا كله على حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه باع جملا له يدعى عصيفرا بعشرين بعيرا إلى أجل وباع ابن عمر راحلتين بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالزبدة وحجتهم أيضا حديث عبد الله بن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا فنفدت راحلته فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة ذكره أبو داود وغيره وحجة مالك رضي الله عنه حديث سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ذكره أبو داود أيضا عنه وما ذكرنا من اجماعهم على تحريم الزيادة في السلف وإذا حمل حديث عبد الله ابن عمر مع حديث سمرة على ما قاله مالك من اختلاف الغرض والمنفعة لم يتدافع الحديثان واستعمالهما على وجه ما أولى من رد بعضهما على بعض وعلى هذا حمل مالك رحمه الله فعل علي وابن عمر وقد ذكرهما في موطئه وقال أبو الزناد لم أر أحدا من فقهائنا قال بقول سعيد في قبطية بقبطيتين وما ذكره مالك في موطئه من مسألة بيع الجمل بالجمل مثله إلى أجل وزيادة شيء من الأشياء كانت الزيادة عاجلة أو مؤجلة ولا بأس الجمل بالجمل مثله يدا بيد وزيادة ما شئت كانت الزيادة عاجلة أو آجله إذا كانت الجملان يدا بيد وكذلك سائر العروض والحيوان كله يجري على ما وصفت لك من الجمل بالجمل وزيادة فلا يجوز السياج بالسياج مثله إلى أجل وزيادة شيء ولا الشطوي بالشطوي إلى أجل وزيادة شيء ولا العبد بالعبد مثله إلى أجل وزيادة شيء من الأشياء عاجلة كانت الزيادة أو آجله وما كان مثل هذا كله فله حكمه وبالله التوفيق‏.‏

باب بيع ما اشترى قبل أن يقبض

 كل ما اشتريت من العروض كلها الحيوان والعقار والثياب وغير ذلك ما خلا البيع من الطعام على الكيل فلا بأس عند مالك أن يبيع ذلك قبل أن يقبضه فإن بعته من بائعه منك بغير الذي له عليك من ثمنه جاز بجميع الأشياء كلها إذا تعجلت ذلك ولم تؤخره وإن بعته منه بشيء من الصنف الذي له عليك عند محل أجله لم يجز إلا بمثل رأس المال لا بأكثر عددا أو كيلا أو وزنا ولا أجود جودة ولا أفضل عينا على حسب ما ذكرنا في باب بيع ما سلف فيه من العرض قبل القبض من البائع أو غيره وإن بعته من غيره جاز بالثمن وبأكثر وبأقل وبما شئت نقدا من يغر تأخير فإن تأخر لم يجز وصار من الدين بالدين وكذلك الطعام يباع مجازفة صبرا على وجه الأرض في المشهور من مذهب مالك‏.‏

وأما ما ابتعت من الطعام على الكيل فلا يجوز لك بيعه حتى تكتاله وتستوفيه وكذلك ما ابتعت منه وزنا أو عددا لم يجز بيع شيء من ذلك حتى يقبضه ويستوفيه بالوزن أو بالعدة أو بالكيل على حسب سنته في موضعه هذا حكم جميع المأكول والمشروب من القوت والأدام مما يدخر ومما لا يدخر كان أصل معاش أو لم يكن إذا كان مما يؤكل أو يشرب فاكهة أو قوتا أو اداما ولا يجوز أن ينكح به امرأة ولا يستأجر به أجيرا ولا يكري به دابة ولا دارا حتى يستوفيه ومن تزوج امرأة بطعام مكيل لم يجز للمرأة بيعه قبل قبضه وكذلك من استؤجر بطعام مكيل أو صولح به من إرش جناية على طعام مكيل لم يجز له بيعه قبل قبضه لأن كل ما أخذ عليه عوض فهو بيع من البيوع وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفي وسواء كان الطعام من سلم سلمت فيه على صفة مضمونة أو من بيع عين غير مدينة إذا كان على الكيل أو الوزن أو العدد لا يجوز أن يبيع شيئا من ذلك كله حتى يستوفيه مما يستوفي به مثله كيلا أو وزنا أو عددا إذا كان مأكولا أو مشروبا بائعا كان أو غير بائع إلا الماء وحده وكذلك التوابيل والشويز والكهرة وزريعة الفجل الأبيض التي تؤكل وزريعة الكتان والجلجلان وما كن مثل هذا كله مما يؤكل أو يشرب عدا‏.‏

وأما الأدوية مثل الهليلج والمصطكا والقرفة والسنبل والفلفل والخردل والزنجبيل والبذور التي لا تؤكل بعينها مثل بزر الجزر والسلق والبصل والكراث والجرجير والقثاء وما أشبهه فلا بأس ببيعه قبل أن يستوفي ويجوز فيه التفاضل لأنه ليس بطعام وقد قيل في الخردل والقرفة والفلفل والزنجبيل والسنبل أن ذلك كله من التوابل وحكمه حكمها وهذا إنما هو فيما اشترى من الطعام القوت والفاكهة والادام‏.‏

وأما من استقرض طعاما فلم يقبضه من الذين اقرضه إياه حتى باعه من غيره فجائز له ذلك وكذلك كل ما ملك بغير عوض مثل الهبة والميراث جائز بيع ذلك كله قبل قبضه واستيفائه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خص مبتاع الطعام بذلك دون غيره وقال من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ولم يقل من مالك طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه هذا كله تحصيل مذهب مالك عند جماعة أصحابه واختلفوا في المشتري للطعام على الكيل يموت قبل أن يقبض ما اشتراه منه فقال أكثرهم لا يبيعه وارثه حتى يستوفيه ويقبضه لأنه قام مقام الميت في ذلك وهذا هو الصحيح وقال بعضهم يبيعه قبل أن يستوفيه لأنه وارث له لا مبتاع ومن ابتاع طعاما بكيل ثم اقرضه غيره أو هبه له أو قضاه رجلا من قرض كان له عليه فلا يبيعه أحد ممن صار إليه ذلك الطعام حتى يقبضه ومن ابتاع طعاما مكيلا فاستوفاه بالكيل ثم أراد بيعه وأخبر مشتريه بكيله وصدقه المشتري على ذلك جاز إذا كان الثمن نقدا فإن كان نسيئة لم يجز ولو وجد فيه المشتري بعد التصديق نقصا أو زيادة قامت له على ذلك بينة نظر فإن كانت الزيادة والنقصان يسيرا فهي للمشتري وعليه وإن كان كثيرا فهو للبائع وعليه وأجاز مالك وأصحابه الإقالة والشركة والتولية في الطعام قبل أن يستوفي بمثل الثمن لا زيادة ولا نقصان إن كان اشتراه بنقد فبمثل النقد وإن كان إلى أجل فإلى أجل مثل ذلك وجعلوا ذلك من باب المعروف والإحسان لا من باب البيع والمكايسة‏.‏

باب قبض الطعام من ثمن الطعام

كل ما لا يجوز لك أن تعقد عليه بيعك فلا تعمل به عند قبض ثمنك ولا تأخذه على ذلك بدلا مما لك ومن باع طعاما إلى أجل فلا يجوز له أن يأخذ من ثمن ما باع شيئا من الطعام المأكول والمشروب كله مدخرا كان أو غير مدخر قل ذلك أو كثر وسواء كان ذلك قبل الأجل أو بعده أو عند حلوله من جنس ما باعه أو من غير جنسه إلا أن يأخذ من النوع والصنف الذي باعه بعينه مثل صنفه في لونه وجودته وصفته وفي مكيلته أو وزنه من غير زيادة ولا نقصان ولا يجوز أن يأخذ بعض ثمن الطعام نقدا وبعضه طعاما وعلى قول مالك في ذلك أكثر أهل العلم ومن ابتاع طعاما بعينه على كيل معلوم أو وزن معلوم أو عدد معلوم ونقد ثمنه ثم عجز الطعام عما سيما فلا بأس أن يأخذ فيما بقي من نقده ما أحب من الطعام والادام كله والعروض كلها إذا تعجل ذلك ولم يؤخره ومن وجد في طعام ابتاعه بعينه على الكيل عيبا في اليسير منه فرده بحصته واحتبس الأكثر بحسابه جاز له في ثمن ما رده النظرة وأخذ ما شاء من الطعام والادام معجلا لا يؤخر شيئا من ذلك وإن أحال بائع الطعام رجلا على مبتاع منه بالثمن الذي وجب له فيه فلا يجوز للمحتال أن يقبض ممن احتال عليه شيئا من جميع المأكول والمشروب وحكمه في ذلك حكم بائع الطعام وسواء كانت حوالة المحتال من دين أو هبة أو صدقة وقبض الطعام من ثمن الطعام فعند مالك في معنى بيع الطعام نسيئة وقطع الذرائع عنده واجب ومنها هذا الباب وغيره يخالفه فلا يعمل ظنه في ظاهر صحيح جائز فيبطله بما يتوهمه لأن الأحكام في الشرع على الحقائق لا على الظنون والله الموفق للصواب‏.‏

باب ما يدخله الربا أيضا وما لا يدخله من وجوه الاقتضاء

 كل ما لا يجوز ان تعلمه ابتداء فلا تأخذه قضاء وذلك ان تبيع عرضا بثمن إلى أجل فلا يجوز أن تأخذ عنه حلول الأجل من صفة ذلك العرض أجود منه جودة ولا أن نأخذ ان كان ثوبا بثوبين من صفته بدلا منه عند حلول أجله ولا ثوبا مثله وزيادة شيء من الأشياء ولا بأس أن تأخذ مثل ثوبك أو عرضك ما كان سواء في صفته أو جودته أو أدنى منه عند حلول أجله ولا يجوز لك أن تأخذ بدلا منه قبل حلول أجله أدنى منه وان كان من صفته لأنه من ضع وتعجل وذلك ربا فقس على هذا جميع ما كان من بابه ولا يجوز لك أن تأخذ من العرض الذي لك قبل محل أجله بعضه وتأخذ في الباقي منه ثمنا ذلك مكروه عند مالك لا يجوز فإن أخذت البعض وبقي البعض إلى أجل جاز وكذلك لا بأس أن تأخذ ببعض مالك من العرض ما شئت من العرض كائنا ما كانت السلعة قبل محل الاجل إذا تأخر الباقي إلى الأجل وسواء كان العرض من سلم أو قرض وكان مالك من جميع الأشياء التي يجوز بيعها قبل استيفائها فجائز أن تأخذ من الذي لك عليه ذلك كلما أعطاك قضاء مما لك عليه إذا كان مخالفا لما لك عليه وتعجلت ذلك لم تؤخره فإن أخرته كان دينا بدين ومن سلم عرضا في عرض فاستقاله المبتاع بزيادة يزيدها جاز لك إذا كان العرض لم يفت ورده بعينه وكانت الزيادة معجلة كائنة ما كانت حل أجل السلم أو لم يحل فإن تأخرت الزيادة كان من الدين بالدين فلو فات العرض وأراد أن يعطيه مثله وزيادة شيء من الأشياء لم يجز حل الأجل أو لم يحل ولو أعطاه قبل الأجل الزيادة من العرض بعينه بعضه لم يجز فإذا حل الأجل كان له الزيادة من ذلك العرض من غيره وهذا كله إذا كانت الزيادة معجلة فإن تأخرت لم يجز ومن سلف في بر ولحم أو شيء مما يؤكل أو يشرب فأتاه المسلف إليه بأجود مما سلف فيه أو أدنى أو أسمن من اللحم أو أهزل قضى مثل كيل ذلك أو وزنه جاز له قبضه ولا يجوز له أن يشتري معه منه شيئا من الاشياء لا من الطعام ولا من غيره‏.‏

وسواء كان ما زاده من الصنف الذي قضاه أو من غيره مثل أن يأتيه بأكثر كيلا أو وزنا ويبيع منه تلك الزيادة أو يأتيه مع ما نقص بسلعة كائنة ما كانت طعاما أو غيره فلا يجوز أن يشتري منه تلك الزيادة ولا تلك السلعة وهو عند مالك حرام يدخله عنده بيع الطعام قبل استيفائه والتفاضل في الجنس الواحد المأكول وإذا كان الذي يأتيه به ويقضيه اياه من صنف الذي عليه وصفته بعينها جاز أن يشتري معه ما شاء من جميع الأشياء طعاما كان أو غيره إذا كان الذي يقضيه مثل صفته في جودته وكيله ووزنه فقف على هذا الاصل ومن سلف في شيء مما يؤكل أو يشرب فله أن يأخذ قبل محل الأجل مثل الصفة في الكيل والوزن ولا يجوز له أن يأخذ غير صفته من صنفه بوجه من الوجوه فإذا حل الاجل جاز أن يأخذ من الصنف الذي سلف فيه أدنى من صفته أو أجود من كيله ووزنه ومن لحم الضأن لا من لحم ضأن مثله في صفته ووزنه وله أن يأخذ عند محل الأجل من البر شعيرا ومن الشعير برا أو سلتا ومن السلت شعيرا ومن لحم الضأن لحم بقر أو معز أو أبل هذا كله وما كان مثله جائز إذا حل الأجل فإن أخذت من لحم ضأن سمين لحم بقر أو لحم ضأن هزيل دخله ضع وتعجل وان أخذت ارفع من صنفك دخله ابتياع الضمان وطرحه على الذي وعليه وهذا الباب جائز في كل ما لا يجوز الا مثلا بمثل يدا بيد فقف على ذلك وقس عليه بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما‏.‏

باب بيوع الآجال وضع وتعجل وبيع العينة

 لما كان الربا المجتمع عليه في قول الله عز وجل اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا البقرة ما حكاه عن زيد بن أسلم أن أهل الجاهلية كانوا إذا كان لأحدهم الدين إلى أجل على غيره وحل الاجل قال له اما أن تقضيني واما أن تربي يريد واما ان تزيد في ديني لصبري عليك إلى أجل اخر فكانت تلك الزيادة ثمنا للاجل الثاني وسماه الله ربا باجماع من أهل العلم بتأويل القرآن كان في ضع وتعجل ذلك المعنى لانه نقصه من الاجل بما حط عنه وهذه عكس تلك فتدبره تجده كذلك ولذلك قال مالك رحمه الله ان ضع وتعجل من الربا مثال ذلك رجل له على آخر عشرون دينارا الى سنة من بيع أو سلف فلما مر نصف السنة احتاج رب الدين فسأل غريمه ان يقضيه فأبى إلا إلى حلول الاجل فقال له رب الدين أعطني الآن عشرة وأحط عنك العشرة الباقية فهذا ضع وتعجل وهو عند مالك وأكثر أهل العلم ربا وكذلك ليس له أن يصارفه في ذلك قبل الاجل على ما قدمت لك ولا يجوز عند مالك ان يأخذ منه قبل الاجل بعض دينه ويأخذ منه الباقي عرضا معجلا ولا مؤجلا ويدخله عنده وجوه من الربا منها ضع وتعجل كأنه زاده في ثمن السلعة ويدخله صرف وبيع ويدخله ذهب معجلة وعرض معجل بذهب إلى أجل‏.‏

وكل ما لا يحل إلا مثلا يدا بيد فهو كالذهب والورق في ذلك وكذلك العروض كلها تجري ههنا مجرى الذهب والورق ومجرى ما يؤكل ويشرب فلا يجوز أن تأخذ بعض العرض الذي لك عليه وتأخذ بقيمته ثمنا كائنا ما كان الثمن عرضا كان أو عينا لأنه يدخله عند مالك وأصحابه ضع وتعجل ويدخله طرح الضمان كأنه نقصه من ثمن السلعة التي باعها مع ما قضاه ليسقط الضمان عنه ويجوز عند مالك أن يأخذ منه قبل محل الأجل في الذهب أو الورق التي له عليه إلى أجل من بيع أو سلف عرضا معجلا بجميع الدين ولا يراعي القيمة في ذلك وكذلك يجوز أن يأخذ بعض دينه معجلا ويؤخر الباقي إلى أجله فان أخره إلى أبعد من أجله لم يجز ومن باع سلعته بثمن إلى أجل فلا يجوز له عند مالك أن يشتري بها نقدا ولا إلى أجل أدنى من أجلها بأقل من ثمنها الذي باعها به أو أدنى من صفتها ويجوز أن يشتريها إلى أبعد من أجلها بمثل ثمنها أو اقل منه أو أقبح عيونا أو وزنا ولهم في هذا الأصل اضطراب ويجوز أن تشتريها قبل أجلها بمثل الثمن الذي بعتها به أو بأكثر أو بأفضل عينا أو أكثر وزنا وجملة هذا الباب أنه كل ما لا يجوز لك أن تبتاعه به قبل الاجل فلا يجوز لك ان تبتاعه به إلى أبعد من الاجل وكل ما يجوز لك أن تبتاعه به قبل الاجل فهو يجوز لك أن تبتاعه به إلى أبعد من الأجل فافهم هذا الاصل فهو معنى ما ذهب إليه مالك وأصحابه وقد تابعهم في هذا الباب على اعتبار قطع الذرائع في بيوع الآجال أبو حنيفة وأصحابه وأبى من ذلك جماعة من الفقهاء بالمدينة وغيرها ولم يفسخوا صفقة ظاهرها حلال بظن يخطئ ويصيب وقالوا الاحكام موضوعة على الحقائق لا على الظنون وكره مالك لمن كان له على غيره شيء من الأشياء إلى أجل أبعد منه إذا ظن به أن يقوى بثمن ما يبيع منه على القضاء وجعله أصحابه من باب الربا ومن باب الدين بالدين أيضا‏.‏

وأما بيع العينة فمعناه انه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بينهما سلعة محللة وهو أيضا من باب بيع ما ليس عندك وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فان كانت السلعة المبيعة في ذلك طعاما دخله أيضا مع ذلك بيع الطعام قبل أن يستوفى مثال ذلك أن يطلب رجل من آخر سلعة ليبيعها منه بنسيئة وهو يعلم أنها ليست عنده ويقول له اشترها من مالكها هذا بعشرة وهي علي باثني عشر أو بخمسة عشر إلى أجل كذا فهذا لا يجوز لما ذكرنا واختلف أصحاب مالك في فسخ البيع المذكور بالعينة إذا وقع على ذلك فمنهم من رآى فسخه قبل الفوت وبعده يصلحه بالقيمة على حكم البيوع الفاسدة وسنفرد لها بابا إن شاء الله ومنهم من لم ير فسخ البيع في ذلك وهم أكثر أصحاب مالك وتحصيل المذهب أنه إذا قال اشتر سلعة كذا بعشرة وهي لي باثني عشر إلى أجل فسخ البيع ان لم تفت السلعة وان فاتت كانت السلعة بعشرة وهي لي باثني عشر إلى أجل فاشتراها على ذلك منه لزمته الاثنا عشر إلى أجل لأن المأمور كان ضامنا للسلعة ويستحب له أن يتورع من ذلك ولا يأخذ إلا ما نقد‏.‏

باب بيع الجزاف

 قد تقدم أن كل ما لا يجوز إلا مثلا بمثل فلا يجوز منه جزاف بجزاف ولا كيل بجزاف وما يجوز منه التفاضل فلا يجوز عند مالك بيع بعضه ببعض مجازفة جزافا بجزاف ولا كيلا بجزاف الا أن يتبين أن أحدهما أكثر من صاحبه والا كان عنده خطارا وقمارا لا يجوز ولا بأس ببيع جميع الطعام والادام جزافا بالناض من الورق إذا جهل المشتري والبائع جميعا كيله أو وزنه فان علم البائع كيله وكتمه كان ذلك عيبا وكان المشتري بالخيار بين استمساك والرد هذا قول مالك وأصحابه وطائفة من أهل المدينة وكذلك لا يجوز عندهم ولو ذكر البائع فللمبتاع أنه يعلم كيله ولم يخبره به فرضي المشتري ولا بأس عند مالك واصحابه ببيع ما اشترى من الطعام والقوت والادام جزافا قبل قبضه وأكثر أهل العلم لا يجيزون ذلك حتى ينقل عن موضعه لحديث ابن عمر وقد قال بذلك بعض المتأخرين المصريين من أحصابه والاختيار عند مالك رحمه الله في ذلك الا يبيعه حتى ينقله من مكانه إلى مكان غيره ولا يجوز بيع الحيوان أو العروض جزافا نحو الرقيق والدواب والمواشي والثياب وغير ذلك مما له بال وقدر لانه يدخله القمار عندهم والخطر وهذا خلاف ما يعد أو يوزن أو يكال من الطعام قوتا كان او أداما لان ذلك تحيط به العين ويتقارب الغرر والزيادة فيه والنقصان يسيران وإنما يجوز الجزاف إذا أحاط النظر به ظاهرا فإن وجد باطنه وأسفله خلاف أعلاه وأراد رده كان ذلك له ويجوز بيع الحيتان الصغار جزافا وكذلك الخشب ولا يجوز بيع كبار ذلك جزافا وكرهوا ان يشتري شيئا يكال أو يوزن بظرف أو آنية فإن وجد ذلك الظرف أو الآنية عند البائع مملؤا جاز ذلك ولا يجوز عند ابن القاسم بيع كيل وجزاف صفقة واحدة ذلك مثل ان يبيع صبرة حنطة وعشرة أرادب شعيرا صفقة واحدة وكذلك كل ما يكال أو يوزن أو يعد جزافا مع شيء من المكيل والموزون كيلا أو وزنا أو عدا صفقة واحدة وكذلك لو بيع ذلك كيلا أو وزنا مع عرض صفقة واحدة‏.‏

باب ما يجوز بيعه من الحيوان وما لا يجوز بيعه منه

 الحيوان صنفان صنف يؤكل لحمه وصنف لا يؤكل لحمه وكل ما جاز أكل لحمه جاز شراؤه وبيعه وما لا يجوز أكل لحمه ينقسم قسمين أحدهما مما ينتفع به وهو حي والآخر لا منفعة فيه فكل ما فيه منفعة الركوب والزينة والصيد وغير ذلك مما ينتفع به الآدميون جاز بيعه وشراؤه إلا الكلب وحده لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وقد قيل في كلب الصيد والماشية انه جائز بيعه‏.‏

وروي ذلك أيضا عن مالك والاول تحصيل مذهبه وهو الصحيح ان شاء الله ولا بأس ببيع الهر لأنه مما ينتفع به وما لا منفعة فيه من الحيوان لم يجز بيعه بحال من الاحوال مثل القرد والباز وما اشبه ذلك وبيع الخنزير حرام وثمنه حرام وكره مالك بيع الخصيان وقال شراؤهم يحمل على المثلة بهم وكره مالك بيع الجارية المغنية وقال الغناء عيب يجب أن يبين به ثم قال بعد ذلك أكره بيع المغنيات وقد ذكرنا في كتاب الاقضية حكم التفرقة بين الام وولدها في البيع ووجه ذلك عند مالك والحمد لله وحده‏.‏

باب بيع ما لا يحل أكله ولا شربه وما يكره بيعه

 كل ما لا يحل أكله ولا شربه من الميتات والدماء والنجاسات أو ما خالط الطعام منها فلا يحل بيعه وكل ميت يعيش في البر فلا يجوز بيعه إلا الجراد وقد قيل في الجراد أنه لا يجوز بيعه ولا أكله إلا أن يكون قد عالج الانسان قتله أو موته وهو المشهور عن مالك وكل ذائب مائع تموت فيه فأرة أو زغة أو شيء من الحيوان الذي له دم سائل فقد فسد وحرم أكله وبيعه عند مالك وعند أكثر أهل المدينة وأجازوا الانتفاع به في الاستصباح ونحو لمن يحتفظ من نجاسته ولا يجوز أن يوقد به في المسجد اكراما له وأجاز بعض أصحاب مالك غسل البان والزيت إذا تنجس أحدهما بما سقط فيه من النجاسات ولا يجوز بيع جلود الميتة مما يؤكل لحمه ومما لا يؤكل إلا مدبوغا‏.‏

وأما قبل الدبغ فلا يجوز بوجه من الوجوه والرواية في جواز ذلك غلط ومنكر وقد روى ابن القاسم عن مالك كراهية بيع جلود الميتة بعد الدباغ وخالفه ابن وهب واشهب وأكثر أهل العلم لقول النبي عليه السلام أيما إهاب دبغ فقد طهر وشعر الخنزير جائز الانتفاع به واختلف اصحاب مالك في بيعه فأجازه ابن القاسم قياسا على صوف الميتة وكرهه أكثرهم وهو قول اصبغ لأنه محرم عينه ليس بطاهر قبل موته فيشبه الصوف لان الخنزير محرم حيا وميتا وجلد الخنزير لا يطهر بالدباغ ولا تعمل فيه الذكاة ولا يحل بيعه بحال هذا قول مالك وتحصيل مذهبه وقد أجازه سحنون وابن عبد الحكم وسئل مالك عن بيع الشعر الذي يحلق من رؤوس الناس فكرهه وهو بيع شعر وشعر الخنزير أشد كراهية وكل شراب أسكر كثيره لم يجز بيعه ولا شرابه ومن أراقه على مسلم فلا شيء عليه وهو في ذلك مأجور ومن أراقه على ذمي ضمنه عند مالك وخالفه عبد الملك في ذلك فقال لا ضمان عليه فيه وإذا باع نصراني خمرا من مسلم أدبا جميعا الا أن يشربها المسلم فيبلغ بأدبه الحد وإذا تقدم إلى النصراني ان لا يبيعها من مسلم فباعها منه عوقب فإن كان لم يقبض ثمنها أخذ الثمن من المسلم عند مالك وتصدق به عقوبة للنصراني لنقضه ما تقدم فيه إليه ولا يباع شيء من العنب والتين والتمر والزبيب ممن يتخذ شيئا من ذلك خمرا مسلما كان أو ذميا إذا كان البائع مسلما وعرف المبتاع ببعض ذلك أو يتنبذه واشتهر به واختلف في فسخ بيع العنب ممن يعصره خمرا مسلما أو ذميا فالمشهور عن مالك وأكثر أصحابه انهم يفسخون البيع فيه وغيرهم لا يفسخه وبيع السلاح في الفتنة من أهل دار الحرب من هذا الباب حكم ذلك كحكم بيع العنب ممن يعصره خمرا سواء وبيع ظروف الخمر لا يجوز أيضا إلا أن يصلح لها ولغيرها فلا تباع حينئذ إلا من مأمون لا متهم وخالفه ابن القاسم فأجازه ولم يختلفوا في جواز بيع بعر ما يؤكل لحمه ليكرم الأرض به ومن أهل المدينة من جعل المائع كله النجس محرما بيعه قياسا على الخمر والدم وغير المائع من النجاسات قياسا على الخنزير والميتة وما رمست لك وهذبته في الباب كله قول مالك وأصحابه وبالله التوفيق‏.‏

باب بيع الغائب على الصفة وحكمه في هلاكه قبل القبض وبعده وهلاك العين الحاضرة أيضا بعد العقد عليها وبيع المغيب في الأرض أو غيرها إذا نظر إلى بعضه

 لا بأس ببيع الدار والدابة والعبد وسائر العروض إذا تواصف ذلك البائع والمبتاع صفة يعرفها أهل العلم بها عند التنازع فيها ولا يجوز النقد في بيع الغائب من الحيوان الا أن تكون الغيبة يسيرة نحو اليوم واليومين فلا بأس حينئذ بالنقد فيه وانما وجه العمل في ذلك ان يتواضع الثمن فان وجد المبيع سالما على تلك الصفة لزم المبتاع ولا خيار له وقبض البائع ثمنه وان وجد على غير تلك الصفة فالمشتري بالخيار في إجازة البيع ورده ولا يجب عند مالك خيار الرؤية في بيع الغائب الا لمن اشترطه ولا بأس بتعجيل النقد في الربع والأرضين لان ذلك مأمون وكذلك كل سلعة مأمونة فان هلك الغائب المبيع على الصفة قبل ان يقبضه المبتاع فالمصيبة ابدا من البائع حتى يصل الى المبتاع الا ان يشترط البائع على المبتاع انه ان أدركته الصفقة وهو حي سالم بحال ما وصفت لك ثم أصيب بعد تمام الصفقة وقبل أن يصل إليك فمصيبته منك فهو كما شرط‏.‏

وقد قيل ان مصيبته من المبتاع إذا أدركته الصفقة سالما اشترط ذلك أو لم يشترطه إلا أن يشترط المبتاع على البائع أن مصيبته منك حتى أقبضه أو يقبضه رسولي وكلا القولين لمالك وهذا القول الأول قول سعيد بن المسيب والثاني قول سليمان بن يسار والقول الأول أولى عند أكثر اهل العلم وما بيع من العروض كلها حاضرة فتلف المبيع قبل أن يقبضه المشتري فسبيله سبيل الرهن ما ظهر هلاكه فهو من المشتري والثمن لازم له وما غاب هلاكه فهو من البائع وقد قال مالك ان كان البائع حبس السلعة عن المبتاع حتى يأتيه بالثمن فهلكت كانت من البائع وان كان المشتري تركها عنده ولم يمنعه من أخذها فأراها من المشتري وهي بمنزلة الوديعة ولا بأس ببيع اعدال البز واسقاط العطر على البرنامج وان لم تفتح إذا وصف ما فيها ونعت وسمي ذرعه وسائر أوصافه ويلزم البائع والمبتاع إذا وجد المبيع الموصوف من ذلك على ما وصف فان خالف ما وصف كان المشتري بالخيار في قبوله ورده ولا بأس ببيع البز والقطن والكتان في أعداله بغير برنامج إذا فتح منه شيء ونظر إلى بعضه واشتراه على صفة ما قد رأى منه فإن وجد فيه خلافا يسيرا أو كان الصنف واحدا وأشبه بعض ذلك بعضا إلا أن الأول أجود لأنه وجه الشيء فالبيع لازم للمشتري وان جاء بخلاف الصفة وتغير كثيرا كان له الرد ولا يجوز بيع البز أذا كان ظاهرا مطويا حتى يفتح ويظهر وينظر إليه ويقلب داخله وظاهره ويعرف طوله وعرضه فإذا نظر إلى بعضه واشتراه على آخر على صفة ما رآى منه جاز ولا بأس بشراء العسل والسمن والزيت وما أشبه ذلك في ظروفه من الزقاق والجرار إذا نظر إلى بعضه وعرفه وأجاز مالك وأصحابه شراء زقاق الزيت والعسل وزنا على وزن الظرف داخل في وزن ما فيها لان معرفة ذلك عند الناس معلومة والزيادة والنقصان فيها متقارب‏.‏

ولا يجوز ذلك عندهم في جرار الفخار والقلال لان ذلك متفاوت ولا يضبط وجائز عند مالك رحمه الله شراء الفجل والجزر واللفت والثوم والبصل ونحو ذلك مغيبا في الأرض إذا نظر إلى بعضه وكان قد استقل ورقه وأمنت العاهة فيه وأكل منه وانما تؤمن العاهة عليه إذا كان ما قلع وقطع منه ليس بفساد لطيبه وانتهائه ومن هذا الباب بيع الصوف على ظهور الغنم وبيع جلودها قبل ان تذبح ولا خلاف عن مالك في جواز بيع الصوف على ظهور الغنم وان اشترط ان يؤخر جزازها خمسة أيام أو ستة أو عشرة لان هذا كله قريب واختلف قوله في بيع الجلود على ظهور الغنم والبقر ونحوها قبل أن تذبح فكرهه مرة وأجازه مرة أخرى وتحصيل مذهبه عند أصحابه جوازه ولا بأس عند مالك ببيع لبن البقر والغنم أياما معلومة إذا عرف حلابها ولا يجوز بيع لحم الشاة وهي حية ولا بيع بعض لحمها لأنه مغيب لا يرى ما هو وكذلك بيع ما يخرج من زيت الزيتون وما كان مثله وجائز عند مالك أن يبيع الرجل الشاة ويستثني من لحمها أرطالا قليلة تكون الثلث فأدنى ولا خير فيما زاد والفرق بين المسألتين انه إذا اشتراها واستثنى أرطالا من لحمها فضمانها من المشتري وإذا اشترى لحمها أو شيئا منها فضمانها من البائع ماتت أو ذهبت والمشتري لحمها لا يدري ما هو سمين أو مهزول فقف على هذا‏.‏

باب الثنيا في المبيع

 لا بأس ببيع البعير والشاة والبقر وكل ما يجوز من الحيوان أكله واستثناء جلده فإن أبى صاحبه من ذبحه كان للمشتري مثل جلده أو قيمته إن أحب كل ذلك جائز عند مالك وقد تقدم في آخر الباب قبل هذا جواز بيع الشاة على أن يستثنى أرطالا من لحمها أو جزءا منها يكون ثلثها أو أقل وكره مالك أن يستثنى فخذها أو كبدها وقد أجازه أيضا وفي هذا الباب عن مالك اضطراب كثير والاصل ما ذكرت لك واختلف قوله في استثناء رأسها أو أكارعها أو كبدهأ أو رطلا أو رطلين من لحمها فمرة كرهه ولم يجزه إلا في السفر وكرهه في الحضر وهو اختيار ابن عبد الحكم ومرة أجازه في السفر والحضر لتفاهته وهو قول ابن القاسم فإن أبى مشتري الشاة من ذبحها أجبر على ذلك ولغير مالك في ذلك قولان فطائفة أجازت استثناء ما شاء من الشاة والبعير من أجزائها وسواء قطعها في السفر او الحضر وطائفة لم تجز استثناء شيء منها في سفر ولا في حضر وقد روي كل ذلك عن مالك وجائز شراء جزء من الشاة أو غيرها من الحيوان وهي حية والشركة فيها لان ضمان ما اشترى منها منه وهو شريك البائع بما اشترى وسواء اشتراها على الذبح أو الحياة ولا بأس أن يبيع الرجل تمر حائطه ويستثني منه جزءا معلوما مثل الثلث أو الربع أو النصف أو ما شاء يسيرا كان أو كثيرا لان الذي وقع عليه البيع معلوم‏.‏

ولا بأس أن يستثني من حائطه نخلات أو شجرات بأعيانها ويجوز عند مالك وإن لم تكن بأعيانها على أن يختارها إذا كان ثمرها قدر الثلث أو أقل وهذا كله إذا كان الحائط لونا واحدا فإن كان فيه ألوان من التمر لم يجز إلا أن يبيع ذلك ولا يجوز أن يشتري تمر نخلات يختارها المشتري ولا يجوز أن يشتري صبرة يختارها من صبر ثمرات مختلفة الأجناس أو الكيل ويجوز عند مالك أن يبيع الرجل ثمر حائط ويستثني منه كيلا أو وزنا معلوما ما بينه وبين ثلثه فان كان أكثر لم يجز وكذلك جائز عند مالك وأصحابه أن يبيع طعامه جزافا إذا جهله ويستثني منه كيلا معلوما ما بينه وبين ثلثه وأكثر أهل العلم لا يجيزون هذا الوجه لأن البيع يقع فيه على مجهول وجائز بيع الدابة على استثناء ركوبها اليوم ونحوه وجائز بيع الدار واستثناء سكناها شهرا أو شهرين أو سنة ونحو ذلك لأنه شيء مأمون‏.‏

باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها أو بعد ذلك

 ولا يجوز بيع ثمرة في رؤوس النخل والشجر على الترك إلى الجذاذ والقطاف حتى يبدو صلاحها وجائز أن يبتاع على القطع قبل أن يبدو صلاحها وبدو صلاحها أن تزها بصفرة أو حمرة ان كانت نخلا وأما التين والعنب والزيتون والخوخ والتفاح وما أشبه ذلك فإذا بدا طيب أوله وتلون منه ما لونه علامة طيبة وكان طيبه ذلك متتابعا جاز بيعه وليس الباكور بأول طيب للعصير وكذلك ما أشبه ذلك ويباع الباكور وحده إذا جرى في العنب ماؤه بمزج أو تلون ان لم يكن أبيض وبدا سواده فقد بدا طيبه إذا استمر أكله وجائز بيع الحائط كله بطيب بعضه إذا كان طيبه متلاحقا متتابعا ولا بأس أن يباع ثمر الحائط لا زهو فيه إذا أزهت الحوائط حوله وكان التين قد أمنت فيه العاهة في الأغلب وقد قيل ان طيب الحوائط انما يراعى بنفسه لا بما جاوره وهذا كله في الجنس وحده واما اذا كان في الجنان أصناف من الثمار كالتفاح والخوخ والتين والرمان وغير ذلك من أنواع الثمار أو كان فيه صيفي منها وشتوي فطاب منها صنف واحد لم يبع غيره بطيبه وكلما طاب منه صنف بيع وحده ولا يباع الزرع حتى يستحصد ويشتد ويستغني عن الماء وزكاته على بائعه على ما قدمنا ذكره في كتاب الزكاة الا ان يباع على القطع قصيلا للعلف ومن اشترى قصيلا أو ثمرا قبل بدو صلاحها على القطع فتركها فالبيع باطل ويرد الثمر والحب على البائع فإن فات ذلك في يد المشتري ضمن المكيلة ان كانت معلومة أو قيمتها ان كانت مجهولة ورجع بالثمن ولو جز بعض القصيل حاسب البائع وفسخ البيع في الباقي وله ما أنفق عليها في سقيها وجذاذها وكل عمل يكون فيه صلاح لها ولا بأس ببيع الزرع حزما بعد حصاده ولا يجوز بيعه إذا درس حتى يصفى من تبنه‏.‏

ومن اشترى قصيلا على القطع ثم اشترى الأرض التي هو فيها جاز له أن يسقي الزرع فيها ولم يلزمه قطعه وجائز أن يشتري الرجل ثمرا مكيلة من حائط بعينه إذا بدا صلاحه بثمن معجل أو مؤجل إذا شرع في قبضه فإن قبض بعض ما اشتراه ثم نقد ثمر الحائط قبل أن يستوفي ما اشتراه فإنه يأخذ بقيمة رأس ماله ولا يجوز له أن يفسخ ما بقي في شيء يؤخره وقد أجاز ذلك بعض أصحاب مالك والاول مذهبه وتباع المقاثي وقصب السكر إذا بدا صلاح أولها وطابت واكل منها فان كانت المقثاة كذلك جاز بيعها على آخر ما يخلق الله فيها عند مالك وكذلك الورد والياسمين ولا يجوز بيع شيء من ذلك سنين وكذلك الموز يباع عندهم من عام إلى عام ويضرب له أجل ينتهي إليه إذا بدا صلاح أوله ولا يجوز عندهم بيع ما أطعمت المقثاة شهرا ولا مدة معلومة وتباع البقول إذا بدا صلاحها وأكل منها وكان ما قطع أو قلع منها ليس بفساد على ما قدمنا في بيع الفجل والبصل‏.‏

باب وضع الجائحة

يحكم بوضع الجائحة فيما بيع من الثمار كلها ومن البقول إلا أن جائحة البقل مخالفة في الحكم لجائحة الثمار والزرع على حسب ما تذكره في هذا الباب إن شاء الله وكذلك جائحة ما يسقى إذا كان ذلك من قبل الماء مخالفة على حسب ما نذكره أيضا فإذا بلغت الجائحة في الثمار الثلث من مكيلة الثمر فصاعدا حكم بذلك للمشتري على البائع من حساب ما اشترى ووضع عنه بقدر ذلك من الثمر ولا ينظر فيما بقي من الثمر كان ذلك وفاء لراس ماله أو إضعافه وإذا كان ما ذهب إليه من الثمرة أدنى من ثلث مكيلتها فمصيبتها من المشتري ولو لم يكن في ثمن ما بقي إلا درهم واحد لم يكن على البائع تبعة هذه رواية ابن القاسم وقوله وقال أشهب إنما ينظر إلى ثلث قيمة الثمر ولا ينظر إلى ثلثها بعينها فإذا بلغت الجائحة ثلث القيمة وضع عنه ثلث الثمن ولا ينظر إلى ثلث الثمرة ولا جائحة في ثمر يشترى عند جذاذه ولا في زرع يشترى عند حصاده بعد ما يبس واستغنى عن الماء ومصيبة ما أجيح من ذلك على مشتريه قلت الجائحة أو كثرت وكذلك كل ما اشتري على القطع لا جائحة فيه من الثمار والزرع ولا جائحة في ثمر الحائط إذا بيع أصله واشترط المشتري ثمرته سواء كان ذلك قبل بدو صلاحها أو بعده وما أجيح به من البقول من قليل أو كثير من ظاهره أو مغيبه فمصيبته من البائع ولا يكون على المشتري شيء منه إلا أن تكون الجائحة يسيرة تافهة لا بال لها فتكون من المشتري هذا هو الأشهر عن مالك وقد روى عنه علي بن زياد وغيره أن الجائحة في البقول حكمها حكم الجائحة في الثمار يوضع منها عن المشتري ما بلغ الثلث فصاعدا كما توضع الثمار‏.‏

وروي عن مالك أيضا أنه لا يوضع من جائحة البقل شيء قل أو كثر والمقاثي بمنزلة الثمار في الجائحة يرعى في ذلك الثلث فصاعدا وكل ثمرة تسقى من بئر أو عين أو شرب فغصب ذلك الماء أو غاض أو نقص فدخلت الثمرة في ذلك داخلة وأجيحت من أجل ذهاب الماء فمصيبة ذلك كله قليلة أو كثيرة على البائع لا ينظر في ذلك الثلث لأن ذهاب الماء من سبب ما اشتريت عليه الثمرة لا من أمر دخل عليها من غيرها وإن أجيحت هذه الثمرة من غير الماء روعي في جائحتها الثلث كسائر الثمار والجائحة ثابتة فيما يشتري بالنقد وبالدين والجائحة ما كان من نار وريح صرير وثلج ومطر وعفن وجراد ومعرة جيوش كل هذا جائحة والسرقة عند أكثر أهل العلم ليس بجائحة يقضي بها‏.‏

باب في ثمر الشجر إذا بيع أصلها ومال العبد إذا بيعت رقبته

 ومن باع أرضا أو دارا أو جنانا فيها نخل وفي النخل ثمر لم يؤبر فالثمرة للمشتري الصفقة وسواء اشترطه أو لم يشترطه ولا يحتاج إلى اشتراطه فإن كانت النخلة قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع في صفقته فيكون ذلك له باشتراطه وإن أبر بعضها ولم يؤبر البعض فالمؤبر للبائع وغير المؤبر للمبتاع هذا إذا كانا متساويين فإن كان أحدهما أكثر من الاخر كان الأقل تبعا للأكثر وقد قيل أنه ليس للمشري إلا ما لم يؤبر قليلا كان أو كثيرا وكل ذلك قول مالك والآبار في النخل هو التلقيح ويقال التنقيح وهو ادخال طلع النخلة الذكر في طلع النخلة الأنثى‏.‏

وأما سائر الثمار فالعقد والظهور حكم ذلك في البيع كحكمه في الآبار وهذا مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال اللقاح في الثمار بمنزلة الآبار في النخل ومن اشترى أرضا فيها زرع صغير لم يبد صلاحه ولم يذكره في عقد البيع ففيه عن مالك روايتان إحداهما أنه للبائع والأخرى أنه للمبتاع والروايتان عن مالك قال ابن القاسم عن مالك إذا وقع البيع بعد نبات الزرع فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع بمنزلة الثمرة إذا وقع البيع والبذر لم يثبت فهو للمبتاع بغير شرط ولا يحتاج إلى اشتراطه وذكر ابن عبد الحكم عن مالك إن كان الزرع قد لقح أكثره ولقاح القمح أن يحبب سنبله حتى يكون حينئذ لو يبس لم يكن فسادا فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع وإن كان لم يلقح فهو للمبتاع قال واللقاح في الثمار أن يثمر الشجر ثم يسقط ما يسقط ويثبت ما يثبت فإن كان ذلك فقد ألقحت الشجرة وجائز بيع الثمرة كلها في رؤوس الشجر من الرطب والعنب والتين والزيتون وسائر الأشجار مع الأصل على ما ذكرنا ههنا وإن لم يبد صلاحه فإن لم يشترط المبتاع الثمار بعد آبار النخل أو بعد ظهور الثمار في سائر الأشجار ثم أراد شراءه قبل بدو صلاحه فذلك عند مالك جائز له ولا يجوز لغيره ولا يجوز بيع الثمار خرصا وإنما يجوز جزافا وجائز بيع جزء منها مثل النصف والثلث وفي اشتراط نصف الثمرة قولان أحدهما يجوز وهو أقول أشهب وروايته والثاني لا يجوز وهو قول ابن القاسم وروايته ولا جائحة فيما يشترطه من الثمرة مع الأصل ولو أتت الجائحة على جميعه وكذلك لا جائحة فيما يشترطه المبتاع الذي جاز له ذلك وماله عند الاشتراط تبع له ويكون موقوفا بيده حتى ينزعه منه مشتريه وسواء كان عينا أو عرضا أو دينا ويجوز عند مالك شراء العبد وإن كان ماله دراهم بدراهم إلى أجل وكذلك لو كان ماله ذهبا أو دينا ولو استحق العبد بعد أن تلف ماله لم يكن في ذلك شيء بخلاف الثمرة المشترطة إلا أن مال العبد لو انتزعه سيده المبتاع ثم أراد رده لم يرده إلا مع ماله بخلاف الاستحقاق ولو استحق الأرض التي اشترطت ثمرتها في البيع كان للثمرة حصتها من الثمن بخلاف مال العبد المشترط يتلف ماله ثم يستحق العبد وما دخل في الصفقة من الثمرات من غير اشتراط المبتاع لها فلا حصة لها من الثمن لأنها حدثت في ملك المبتاع وإذا بيعت الأرض بحقوقها دخل في البيع كل بناء واصل مثبت ولم يدخل فيه ثمرة ولا زرع إلا باشتراط على ما وصفنا واختلف أصحاب مالك في اشتراط نصف الثمرة واشتراط نصف مال العبد على قولين فقال بعضهم لا يجوز ذلك وبعضهم قال ذلك جائز‏.‏

باب اختلاف المتبايعين إن اختلف المتبايعان

 والسلعة قائمة فرواية ابن القاسم عن مالك تحالفا وتفاسخا وسواء كانت قائمة بيد المشتري أو بيد البائع ما لم تفت بنقصان أو زيادة في بدن أو حوالة أسواق وقاله أصبغ ورواية ابن وهب عن مالك أنه إذا قرضها المشتري وبان بها إلى نفسه فالقول قوله في ثمنها سواء كانت عنده قائمة او فائتة وبه قال عبد الله بن عبد الحكم وسحنون وقال أشهب سواء كانت السلعة قائمة أو فائتة بيد البائع أو بيد المشتري يتحالفان أبدا ويتفاسخان إذا اختلفا في ثمنها ويترادان عند فواتها بقيمتها والمبدأ باليمين البائع أبدا إذا وجب التحالف بينهما ثم إن شاء المشتري أخذها بما حلف البائع وإلا حلف وقد بينا هذه المسألة وتصرف وجوهها والاختلاف فيها في كتاب اختلاف أقوال مالك واصحابه والحمد لله‏.‏

باب السلم وما ينعقد به

 لا يجوز أن يسلم في شيء حتى يكون مأمونا لا ينقطع من أيدي الناس في وقت محله ولا بأس بالسلم فيما ليس عند البائع أصله وجائز السلم فيما ينقطع أضعاف مدة أجله إذا كان مأمون الوجود عند حلوله وروى محمد بن معاوية الحضرمي عن مالك أنه سئل عن الرجل يسلف في الخرفان والجديان فقال إن كان ذلك يوجد في كل مرة فلا بأس بذلك وإلا فلا خير فيه ولا يجوز أن يسلم في شيء من المكيلات ولا الموزونات إلا بكيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم بصفة معلومة مفهومة لا يشكل عند التنازع فيها ويوصف موضع قبض السلم كما يوصف الأجل ويكون رأس المال ناجزا لا يفترقان حتى يقبضه المسلم إليه وإن تأخر اليوم واليومين والثلاثة بشرط أو بغير شرط جاز أيضا عند مالك ولم يفسد بذلك السلم وإن تأخر أكثر من ذلك قليلا بغير شرط جاز أيضا عند مالك ولو تأخر كثيرا وكان رأس المال المسلم عينا لم يجز بشرط ولا بغير شرط ولو كان رأس المال عرضا جاز إذا لم يشترط تأخيره ولو تأخر إلى حين حلول أجل المسلم هذا كله تحصيل مذهب مالك عند أكثر أحصابه والذي به أقول إنه لا يجوز فيه إلا تعجيل النقد وإلا دخله الكالئ بالكالئ وهو قول أكثر أهل الفقه ولم يختلف قول مالك أنه لو أقاله في السلم بتأخير يوم أو يومين لم يجز والابتداء أولى كذلك في النظر إذ هو مثله قياسا عليه بلا فرق فإذا انتقد المسلم ثمن رأس مال السلم وانعقد على ما وصفنا كان المبيع في ذمته إلى حلول أجله ولا يجوز السلم الحال عند مالك ولا يجوز أن يكون الأجل في السلم اليوم واليومين وإنما يجوز في أمر ترتفع في مثله الأسواق وتنخفض هذا هو المشهور من المذهب وقد أجازه بعض أصحاب مالك‏.‏

وروي أيضا عن مالك أنه يجوز أن يكون أجل السلم ثلاثة أيام فصاعدا دون مراعاة الأسواق والأول تحصيل مذهبه ومن سلم في حنطه فليذكر نقاها ولونها ونعت حبها وكذلك يفعل في كل ما سلم فيه يوصف بما لا يشكل ولا يجوز السلم في حنطة قرية بعينها إلا أن تكون مأمونة كثير زرعها ولا يختلف ولا ينقص عن القدر الذي سلم فيه على كل حال في الأغلب ولا يجوز السلم في ثمر نخل أو شجر بأعيانها أو زرع أرض بعينها في غير إبانه ويجوز في إبانه عند مالك ولا يجوز السلم في زرع بعينه إلا أن يكون بحضرة حصاده ويشرع في قبضه بالحصاد أو العمل المتصل وإن تأخر أياما يسيرة لم يكن مالك ذلك إذا كان على ما وصفنا ولا بأس بالسلم في رطب حائط بعينه إذا كان قد بدا صلاحه وكذلك التين الأخضر من جنان بعينها إذا بدا صلاحه ولا يجوز السلم في شيء عددا حتى يضبط بالصفة ولا بأس بالسلم في اللحم وفي الخبز وفي الفواكه كلها رطبها ويابسها ولا بأس عند مالك أن يؤخر المشتري نقد ثمنها إذا شرع في أخذ ما سلم فيه ولا يجوز أن يتأخر الثمن والمثمن معا ولو سلم في كباش موصوفة ليأخذ منها كل يوم كبشا حيا وضرب لأخذها من يوم العقد المعلوم أجلا معلوما جاز تأخير النقد عند مالك في ذلك وكذلك لو سلم في أرادب قمح أو غير ذلك على ما وصفت لك فإن لم يشرع في القبض كل يوم لم يجز تأخير النقد ولو قبض المسلم إليه رأس مال المسلم فتلف من يده قبل التفرق فالمصيبة منه ولا يراعى عند مالك افتراق المتبايعين بالأبدان في عقد السلم ولا في غيره من البيوع كلها في الصرف وما جرى مجراه فيما لا يجوز فيه التأخير من الطعام بالطعام وقد روي عن مالك ن مصيبة ما قبضه في الصرف والطعام وصار عنده قبل الافتراق منه وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه ولا يسلم ذهب ولا ورق في ذهب وهما يسلمان في سواهما من جميع الأشياء كلها موزونة كانت أو غير موزونة إذا ضبطت بالصفة من المأكول والمشروب والمكيل والموزون والحيوان والعروض والثياب وغيرها وكل ما يجوز بيعه وتضبط صفته جاز السلم فيه بالصفة المعلومة على ما وصفنا ولا يجوز السلم في تراب المعادن‏.‏

وأما تراب الصواغين فلا يجوز شراؤه يدا بيد ولا يسلم فيه ولا يستقرض لأنه لا يوقف على حقيقته‏.‏

باب من أوصاف السلم وشروط قبضه

يوصف الطعام بالأوصاف المعهودة منه في الموضع المسلم فيه ويذكر نقاه ولونه ونعت حبه وإن كان مضافا إلى بلد ذكر ذلك البلد ويوصف الشعير بالبياض والنقاء واليبس والامتلاء ويوصف الزيت بما يعرفه أهله ويقال أخضر صاف عذب المذاق لم يدخل حبه مطمر أو زيت بدي من الزيت المطمر صاف سالم من العكر ويأتي في كل ما سلم فيه بصفة لا يجهلها أهل المعرفة بها ويذكر الكيل بصفته لا يشكل أيضا وكذلك الزيتون ويصف ثوب الكتان برقته وإضافته إلى بلده وصفاقته وذرعه وكذلك سائر الثياب كلها يصفها بأوصافها المعروفة بها ويذكر ذرعها ويصف القطن بأنه نقي سالم من الزريعة ويصفه بما يعرفه أهله وإن سلم في قطن يجب وصفه أيضا بما لا يشكل وكذلك يفعل في العروض كلها الحيوان وغيره يأتي في وصفه بما لا يشكل منه وجائز أن يقبض من الصنف الذي سلم فيه عند حلول أجله أرفع منه أو دونه إذا تراضيا لأنه إذا قبض منه دون صفته من صنفه كان قد أحسن فيما ترك وإن أعطاه صاحبه أرفع من صنفه في ذلك الصنف كان قد أحسن إليه وخير الناس أحسنهم قضاء ومن أسلم في حنطة جاز أن يأخذ عند محل الأجل أي صنف شاء من الحنطة لأنها حنطة كلها وكذلك سائر نعوت الحبوب وكذلك التمر والزبيب والزيت لا بأس أن يأخذ من كل واحد من صنفه وجنسه ونوعه أرفع من صفته أو دون عند حلول أجله فإن كان شيء من ذلك قبل حلول الأجل لم يجز وجائز عند مالك أن يأخذ شعيرا من حنطة أو من سلت وحنطة من شعير وسلت وسلتا من حنطة أو شعير لأن هذه الثلاثة عنده صنف واحد جائز أخذ بعضها من بعض إذا حل أجل السلم فيها بمثل مكيلتها سواء لا أقل ولا أكثر فإن كان شيء من ذلك قبل حلول الأجل لم يجز ولو أخذ من الشعير أو السلت أكثر من مكيلة القمح أو من القمح أقل من مكيلة الشعير لم يجز شيء من ذلك وجائز أن يأخذ بعض قمحه شعيرا وبعضه قمحا أو سلتا إذا كان القمح مثل صفته أو أدنى فإن كان ما يأخذ من القمح مع الشعير أو السلت أرفع من صفته لم يجز ولا يجوز أن يقبض شيئا من ذلك قبل حلول أجله فإن اختلفت الأجناس والأوصاف لم يجز أن يأخذ بعض ذلك من بعض لا عند حلول الأجل ولا قبله ولا بعده مثل أن يأخذ من البر تمرا أو من التمر زبيبا ونحو ذلك فإن اختلفا في صفة المسلم فيه رأى في ذلك أهل البصر فأقل ما يقع عليه اسم تلك الصفة لزمه قبوله إلا أن يشترط الغاية من تلك الصفة فإن اشترط الغاية وكان يوقف عليها قضي له بها وإلا فارفع ما يوجد في ذلك الوقت من تلك الصفة وكان بعض أهل العلم يكره أن يشترط في شيء من الأشياء غاية الطيب أو الغاية في صفة من الصفات لأن المخلوقات لا توجد منها غاية إلا ويمكن أن يكون الله قد خلق غيرها من صفاتها أفضل منها في معنى من المعاني والله أعلم ولا يلزم المسلم قبض ما سلم فيه قبل اجله سواء كان في الموضع الذي سلم فيه أو غيره وسواء كان له مؤونة حمل أو لم تكن بخلاف القرض ومن كان له على رجل ذهب أو ورق من ثمن مبيع أو قرض فأتاه بها قبل الأجل لزمه قبوله‏.‏

باب عدم السلم عند محله

 من أسلم في رطب أو تين أخضر أو عنب أو ما أشبه ذلك من الثمار فلم يقبضه حتى نفد أو انقطع فلمالك وأصحابه في ذلك اقوال أحدها إنه يحاسبه بما أخذ إن كان قبض منه شيئا ويؤخره بما بقي عليه من رأس ماله ما شاء أو يقبضه وإن شاء أخره بما بقي عليه من السلم إلى العام المقبل وإن شاء فسخ سلمه وأخذ ثمنه فإن فسخه كان له أن يأخذ بذلك ما شاء من الطعام وغيره معجلا ولا يؤخره وإن كان لم يقبض منه شيئا فحكمه ما ذكرنا أيضا في التأخير أو قبض ما شاء بدلا منه معجلا والقول الآخر أنه ليس له أن يؤخره بما تسلم منه أو بما بقي له منه عليه إلى قابل والقول الثالث أن البيع بينهما منفسخ بعدم المسلم فيه‏.‏

باب اختلاف المتبايعين في السلم أو غيره

 وإذا اختلفا عند قبض السلم أو قبل قبضه في نفس الشيء نحو أن يقول المبتاع أسلمت إليك في قمح ويقول البائع في شعير أو سلت أو عدس تحالفا إلا أن يأتي أحدهما في دعواه بما لا يعرف مثله في رأس مال ذلك المسلم فيكون القول أبدا قول من أتى بما يشبه أو قال أحدهما ابتعت منك حمارا وقال الآخر بغلا أو قال أحدهما بعيرا وقال الآخر ثورا أو قال أحدهما ثوب قطن أو خز وقال الآخر ثوب كتان ونحو هذا كله فإنهما يتحالفان ويتفاسخان ويبدأ البائع باليمين فإن حلف لزم المبتاع ما حلف عليه إلا أن يحلف على ما ذكره ويبرأ فإن حلف المبتاع تفاسخا البيع فإن نكل البائع عن اليمين حلف المبتاع إن شاء وكانت السلعة له بما حلف عليه فإن أبى أيضا من اليمين تفاسخا أيضا وإن اختلفا عند حلول السلم فإن قال البائع أسلمت إلي في حنطة بيضاء وقال المبتاع أسلمت إليك في حنطة سمراء فالقول قول البائع مع يمينه وكذلك لو اتفقا في رأس المال عند حلول السلم واختلفا في المكيلة فقال أحدهما في صفة كذا وقال الآخر بل في صفة كذا أو قال أحدهما أسلمت إليك دينارا في قفيزين وقال الآخر بل في قفيز واحد أو قال أحدهما إلى شهر وقال الآخر إلى شهرين أو قال أحدهما في زيت أخضر وقال الآخر مطموري وهكذا أبدا إذا اتفقا في تسمية الشيء بعينه قمحا أو زيتا أو قطنا واختلفا في صفته عند قبضه وقد اتفقا في رأس المال فالقول قول البائع وهو المسلم إليه أبدا مع يمينه وهذا في جميع الأشياء إذا اتفقا في عين الشيء وجنسه واختلفا في اللون والمكيلة والوزن أو العدد والاجل كان القول في ذلك كله قول البائع مع يمينه وذلك إذا جاء بما يشبه وإلا فالقول قول من جاء بما يشبه وفيها قول آخر أنهما سواء واختلفا في عين المبيع أو في صفته أو في أجله فإنهما يتحالفان ويتفاسخان وهو قول أشهب والأول تحصيل المذهب ولو اختلفا في موضع قبض السلم ولم يكن لأحدهما بينة حكم على البائع بالقضاء في الموضع الذي انعقدت فيه بينهما الصفقة فإن اشترط عليه أن يوفيه ذلك بجميع سوق تلك السلعة في تلك الحاضرة والقرية إلا أن تكون السلعة مما لا سوق لها فإنه يوفيه ذلك في أي موضع شاء من تلك الحاضرة والقرية إن كانت أقطارها بعيدة وللحمل في ذلك مؤونة وتشاحا في ذلك ومن عقد صفقة السلم في داره أوفاه البائع ذلك هنالك وبالله التوفيق‏.‏

باب بيع ما سلم فيه من العروض قبل القبض من البائع وغيره

من أسلم في شيء من العروض كلها الكتان والقطن والعصفر والصوف والحديد والنحاس والدواب والرقيق والثياب وسائر الحيوان والعروض وكل ما عدا المأكول والمشروب فحل أجل ما سلم فيه أخذ ما شاء أدنى عينا أو أقل كيلا أو وزنا أو عددا أو أجود عينا أو أكثر كيلا أو أكثر وزنا أو عددا كيف شاء من ذلك كله إذا حل أجل ما سلم فيه وقبض ما أخذ قبل أن يفترقا فإن تأخر ذلك لم يجز وكان من باب الكالئ بالكالئ ولا بأس ببيع ذلك كله من المسلم إليه من جميع الأشياء كلها بعد أن يكون ما يبيعه منه مخالفا لما نقده فيه ويتعجل ذلك أيضا ولا يؤخره فإن آخره صار من الكالئ بالكالئ ولا بأس أن يبيعه أيضا من بائعه بمثل ما أسلم إليه فيه في صفته وكيله ووزنه أو أقل أو أدنى عند محل الأجل أو قبله أو بعده فإن أسلم إليه فيه ذهبا فجائز أن يبيعه منه بذهب مثله أو أدنى منه وزنا وعينا ولا يجوز أن يأخذ منه أكثر منها من ذهب ولا أرفع عينا وكذلك الفضة وإن كان أسلم عرضا في عرض فجائز أن يبيعه منه قبل أجله وبعده بمثل عرضه الذي أسلم فيه أو أدنى منه عينا أو أقل وزنا أو كيلا أو عددا يعجل ذلك ولا يؤخره على ما مضى في باب بيع العروض بعضها ببعض نقدا أو نسيئة ولا يجوز أن يأخذ منه أجود عينا ولا أكثر منه عددا ولا وزنا ولا كيلا معجلا ولا مؤجلا ولا يأخذ ذهبا من فضة ولا فضة من ذهب وكل من أسلم ذهبا في عرض من العروض لم يجز له أن يبيعه من بائعه قبل قبضه بشيء من الورق وكذلك لو كان رأس المال ورقا لم يجز له أن يبيعه منه قبل قبضه بشيء من الورق وكذلك لو كان رأس المال ورقا لم يجز له أن يبيعه من قبل قبضه بشيء من الذهب‏.‏

وأما بيع ما سلمت فيه من العروض كلها من غير بائعها فلا بأس بذلك قبل قبضه عند أجله أو قبل أجله بما شئت من الثمن كله بمثل نقدك أو أكثر وزنا أو أجود عينا أو أقل وزنا أو أدنى عينا أو بما شئت من العروض كلها وهذا كله فيما عدا المأكول والمشروب‏.‏

وأما المأكول والمشروب من الأدام والطعام كله فلا يباع شيء منه قبل أن يقبض ويستوفى لا من بائعه ولا من غيره على ما مضى في الأبواب المتقدمة من هذا الكتاب‏.‏